أثر عائشة بأن النبي ﷺ كان يخيط ثوبه ويخصف نعله. أخرجه أحمد، وابن سعد، وأبو يعلى، وابن حبان، وغيرهم بإسناد صحيح.قلت: ينتزع من هذا الأثر أمورا حسنة، فمنها:1- إصلاح المرء لـ ماله، فإذا تلف منه شيئا لا يسارع بإلقاءه ورميه، لذا قال عمرو بن العاص: لا أمل ثوبي ما وسعني. أخرجه أبو القاسم الأصبهاني وغيره.وهذا يبين لك بطلان ما يفعله بعض الناس من رَمي كل شيء تعرض لخلل!والصواب: التدخل بالإصلاح أولا، لذا ساق أثر عائشةَ ابنُ أبي الدنيا في كتابه إصلاح المال. وللأسف اندثر هذا التصرف منذ قرون، فقد قال أبو الوليد الباجي (المتوفى 474) -أثناء كلام له-: لا بد للناس من صُنَّاع فليس كل أحد يقدر على أن يخيط ثوبه. قلت: قديما كان كل الرجال أو أكثرهم قادرون على ذلك، لكن لما فتحت الدنيا وصار هناك تخصصات ومِهَن لذلك؛ اعتمد الناس على أصحاب المهن! مما أفقدهم كثيرا من المهارات الشخصية -رجالا ونساء-. 2- يتعلم الرجل أن يصلح ما يُمكن إصلاحه بنفسه دون الاعتماد على أحد. فالنبي ﷺ وغيره من الصحابة بل والعرب عموما يسافرون كثيرا ويبتعدون عن بلدانهم، فلو أنه انقطع ثوبه أو نعله ثم لم يُحسِن أن يصلحه = أضر به. لذا يليق بالرجل أن يتعلم بعض الأشياء المتكررة حتى لا يحوج إلى غيره. فعادة الصحابة أنهم كانوا يصلحون أشياءهم الخاصة بأنفسهم.لذا قالت عائشة: يعمل ما تعمل الرجال. أخرجه عمر بن شبة.وكأن هذا هو الشائع حينها. قلت: يمكن انتزاع أمر من هذا الاستنباط: وهو أن يكون الرجل نشيطا في بيته ولا يكثر من الطلبات الخاصة (أريد أن أشرب، فوطة، منديل، لمونة... إلخ ويعتاد أن يقوم بذلك بنفسه ما استطاع) وسبق بيان أن الزوج يجب أن يكون رشيقا، ولا يستعظم الأمور اليسيرة. 3- واجب الوقت، قلت: تصرفه ﷺ لطيف جدا، وفيه تحقيق كامل للعبودية، فعندما يكون الأمر متعلق بالدين قام بما يجب عليه فعله، وعندما تعلق الأمر بالدنيا قام بفعله. أقصد: لم يستنكف ﷺ من أن يمسك نعله بيده الشريفة فيصلحه، بل قام بكل تواضع يمارس عملا دنيويا ليُعَلم الناس أنك قد تفعل فعلا دنيويا وتؤجر عليه.قال ابن بطال: ومن أخلاق الأنبياء: التواضع، والبعد عن التنعم، وامتهان النفس ليُستَن بهم، وألا يخلدوا إلى الرفاهية المذمومة.وهذا ما فهمه الحكيم الترمذي من الأثر بعدما أخرجه في نوادر الأصول: أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يفعلون ما يجب عليهم فعله في اللحظة الراهنة، سواء في الدين أو الدنيا.وفي هذا بيان لخطأ بعد المتدينين أنه لو فعل شيئا مباحا -وهو واجب الوقت- = أنه خلل!ويتوهم أنه يجب عليه أن يبحث عن أمر أعظم ليقوم به! أخي: النبي ﷺ كان بإمكانه أن يقوم بفعل شيئا آخر دينيا حينها ولكنه آثر أن يقوم بواجب الوقت- الوقت الآن سيبذل في خصف النعل؟= لا مشكلة سنحتسب ذلك. فهمتني؟ 4- مراعاة الأعراف السائدة في الزواج، اللائق بالرجل أن لا يخالف العرف دون داع لذلك. أقصد: عائشة قالت: "كما يعمل الرجال في بيوتهم"فالنبي ﷺ تعامل أنه ككل الناس، ولم يقل أنا رسول الله فينبغي أن أتنزه عن بعض الأفعال، بل كان ﷺ مراعيا الأعراف ما كانت صحيحة. - ماذا يفعل الرجال في البيوت؟ = كذا... - إذن سيفعله ﷺ. لذا عبرت عائشة في بعض الروايات أنه ﷺ كان في مهنة/خدمة أهله. أخرجه أحمد والبخاري. وفي لفظة للبخاري: ماذا كان يفعل إذا دخل بيته؟ قالت كانت في مهنة أهله. وكأن أول شيء كان يقوم به هو النظر فيما يجب عليه من خدمة أهله كما يفعل كل الرجال. وهذا أحد أغراض سياق الحديث، قالت عائشة -في لفظة لابن حبان-: ما كان ﷺ إلا بشرا من البشر، كان... فعلى الرجل أن يقتدي بالنبي ﷺ وبالعرف السائد في مهام المختصة بالرجال في زمانه، فمثلا: كان النبي ﷺ يحلب شاته ويرقع دلوه -كما في لفظة للأثر. أقصد: كان حينها على الرجل أن يحلب الشاة، ويستقي الماء، ويحمل لأهله الطعام أو... إلخ يخدم أهله بذلك ويساعدهم ويقوم بما يجب عليه. فلو أحببنا أن نقيس ذلك على زماننا:الرجل يشتري الطعام، يغير الأنبوبة، يصلح اللمبة، يذهب بالأولاد إلى الدكتور، يشتري العلاج، يدق مسمارا... إلخ مما اعتاد الناس أن يقوم بها الرجال في البيوت = فاللائق بالرجل أن يقوم بذلك بنفسه، ما لم يكن هناك عارض يمنع من ذلك.بل علي الرجل أن يعطي ذلك أولوية واهتماما. أي لا يقصر فيما ينبغي عليه القيام به من واجبات وخدمات تجاه أهله. 5- في رواية أبي الشيخ: "كان إذا خلا" يخصف... أي: إذا وجدَ النبي ﷺ وقتا يسمح بإصلاح شيء = أصلحه. فعلى الرجل إن وجد وقتا يسمح بإصلاح أمر تالف = يصلحه ولا يهدر هذا الوقت فيما لا ينفع نفسه أو أسرته. #ملحوظة: استدلال النساء بهذا الأثر على أن الرجل يغسل المواعين وينشر الثياب في البلكونة = انتزاع غير صحيح، ولا ينتهض له الأثر أصلاً. أقصد: لا ينتزع هذا الانتزاع إلا مطموس الفهم، ضعيف الإدراك. فالأثر كان يتكلم عن شيء بيَّنت عائشة فيه أن كل الرجال كانوا يقومون به. ليس هذا فحسب، بل وضحت عائشة أنه ﷺ كان يصلح ثيابه الخاصة به هو وحده، لا أنه كان يخيط الثياب لأهل بيته جميعا، أو يخصف نعال أهل بيته. فقد سبق (في رقم2) أن الشائع حينها أن مَن كان يقوم بذلك كل فرد بنفسه. أقصد: كان الشائع أن يخيط الرجل ثوب نفسه، وتخيط المرأة ثوب نفسها. ثم إن هذا الفعل لم يقع من النبي ﷺ إلا مرة أو مرتين خلال حياته مع عائشة. أقصد: كم مرة سينقطع الحذاء؟ وكم مرة سينقطع الثوب خلال وجوده بالمدينة في بيته مع عائشة؟ = ربما مرة واحدة. بل هذا جاء صريحا عن عائشة فيما أخرجه أبو عبد الله التميمي في تلقيح العقول:عن عائشة قالت: رُبَّ والله ما رأيته يخيط ثوبه، ويخصفُ نَعْلَهُ، ويَعمَلُ ما يعملُ الرَّجُلُ في بَيْتِهِ، ولكنَّه والذي أَكْرَمَهُ مَا رَأَيْتُهُ ضَاربًا بيدِه امرَأَةً، وَلا خَادِمًا، ولا شيئًا، إلا أن يُجَاهِدَ في سبيل الله. فعائشة في هذه الرواية بينت أنها ما رأته يخيط ثوبه أو يخصف نعله إلا نادر جدا جدا جدا، حتى كأنها تنفي أنه كان يخيط ثوبه ويخصف نعله!!قلت: لو لم تصرح عائشة بأن هذا لم يكد يقع منه ﷺ = لكان اللائق أن يُفهَم على البديهة. فمن هذا الذي يظن أن النبي ﷺ كان يخيط ثوبه ويخصف نعله كل يوم!! وهل كانت ثيابه تقطع كل يوم! 🥴تهور عجيب في الانتزاعات.بل الأثر جحة على النساء في ذلك. أقصد: قول عائشة "يفعل كما يفعل الرجل في بيته" = أن هناك أعرافا سائدة حينها يلتزم بها الجميع، الرجال لهم أفعال، والنساء لهن أفعال. -حسب عرف كل زمان ومكان-. ولم تقل عائشة أنه كان يساعدها أو يخفف عنها أو يقوم بما كان ينبغي عليها القيام به، وإنما قالت أنه كان يفعل العُرف السائد ولا يستكبر.واليوم العرف هو أن تقوم المرأة بكذا... وكذا... وعليه: يجب عليها أن تقوم بما يجب عليها القيام به من عرف (طبخ، غسل، كنس، تنظيف... إلخ) مما هو معلوم من أعمال النساء اللطيفة في بيتها وتحتسب هذه الأفعال.ومن الباطل أن تنادي النساء بأن يتدخل الرجال في أفعال النساء! طبعا لا مشكلة في أن يساعد الرجل زوجته في شيء إن كانت مريضة أو منشغلة جدا وأراد أن يخفف عنها مرة أو مرتين = فهذا تصرف حسن نؤيده.واستدلالنا على ذلك اعتمادا على حسن العِشرة والرحمة والرفق، لا أننا ننتزع ذلك من أثر عائشة.فأثر عائشة حجة على مَن يدعي استحباب غسل المواعين!لهذا: فغسل المواعين يؤجر عليه الرجل إن كانت زوجته مريضة وأراد رحمتها.لكن أن يستدل أن هذا مستحب له بإطلاق = فاستدلال باطل.بل لا يستحب للرجل أن يقوم بهذه الأعمال.أقولها صريحة: لا يستحب للرجل أن يقوم بالأعمال التي من المعلوم أنها من مهمات النساء.أقصد: لو افترضنا أن الزوجة بصحة جيدة قادرة على كَنس البيت أو غسل المواعين، هل يكنس الرجل البيت حينها ويحتسب؟ = لأ.- هل تعرف من أين الاستدلال بـ لأ 🤔= بأثر عائشة المذكور، فعائشة قالت صراحة: كان ﷺ يقوم بعمل الرجال = إذن ما كان من "عمل النساء" فلا يفعله الرجال.اللهم ما كان من استثناء بيناه.لأن استحباب الفعل نابع عن أنه "مساعدة للزوجة" لا أنه مستحب في ذات نفسه. فاهمني؟ فعائشة كانت تقوم بدورها كزوجة وتقوم بأعمال الزوجة. فلو تأملت النص: كان يفعل كذا.. لنفسه، لا أنه كان يساعدها فيما يجب عليها القيام هي به!!والله أعلم.#قطوف_حول_البيوت#قطوف_في_صلاح_الأزواج
- قطوف في صلاح الأزواجكان ﷺ يخيط ثوبه ويخصف نعله.
تعليقات وإضافات صاحب المقال2
إذا وجدت النساء مجتمعة على الاستدلال بشيء = فاعلم أنه استدلال باطل
إما باطل في أصله، أو باطل في تفريعاته.
ولا يوجد أحد من أهل العلم استدل بأثر عائشة على أن الرجل يقوم بأعمال النساء بدلا عنهن ويحتسب ذلك!!
سيطرة النسوان على الخطاب المعاصر أفسد أذواق الناس في فهم النصوص

