منذ أيام وأنا أتابع الصراع الناشئ حول التعدد، وهو صراع قديم نشأ منذ نشأة النسوية، دعكَ من هذا الآن.

الذي آلمني: هو التعرض لجنابه ﷺ ذهابًا وإيابًا من الطرفين، هذا النبي العظيم ينتزع منه ضعيفو الديانة "الفطرة" التي يريدونها!

فمن في صف التعدد ذكر زواجه ﷺ من نسائه، وأنها فطرة، ثم يستدل بأن جمهور الأمة جيلاً بعد جيل كانوا معددين -خذ هذه مني أحمد: وكان لديهم سبايا بالعشرات!-

- فهل يخرس الطرف الآخر -المعاند للتعدد ولكن يغلف المعاندة بتغليفات منمقة ويكأنه يؤيده- فلا يعرّض جنابه ﷺ للكلام إذ قام صاحبه بالاستدلال به وبالخلفاء الأربعة؟

= لا يخرس، ويقول: وهل كان النبي ﷺ ناقص الفطرة عند زواجه من خديجة 25 سنة؟! -ثم يقول متصنعًا التقوى: معاذ الله!-

- ما هذا الذي تقول يا غبي؟

- هل يخرس الطرف الأول ولا يحاول مناكفة خصمه إذ كان بهذه الجرأة؟

= لا يخرس، ويقول: لمْ يتزوج عليها لأنها كاملة.

فالطرف الآخر -يتصنع الإيمان والتقوى مرة أخرى- يقول: وهل كانت أمهات المؤمنين ناقصات -أعوذ بالله-!

ثم يحشرون قصة فاطمة وزوجها -عليهما السلام-:

فالطرف الأول المؤيد للتعدد يُقيِّد سبب المنع لأنها ابنة أبي جهل -لأنه أسلمَ له في الاستدلال-، فالطرف الآخر يرد عليه ويقيده بأنه مراعاة لمشاعرها، -لأنه أسلمَ له في الاستدلال-.

- هل يخرس الطرف المؤيد للتعدد؟

= لا يخرس، ويقول: وكأنه ﷺ ظالم لمَّا منعَ عليًّا وسمح لنفسه!

- ما هذا الذي تقول أيها الغبي السافل؟

- ماذا تقولون أيها الرعاع؟

- أنتم مجرمون سفلة، لا يوجد في قلوبكم تعظيم لمقام النبي ﷺ ولا لعياله ولا لزوجاته ولا لأصحابه -عليهم جميعًا السلام والرضوان-.

إن هذا المزلق هو ما يحجزني عن دخول الصراعات مع أحد، فخصمي لا يعظم هؤلاء الأصحاب والزوجات -عليهم الرضوان والسلام- بما أعظمه = فلا أبتدء الصراع وأنسحب مبكرًا لعلمي بحمق خصمي!

لنفتح إذن الملف الذي ترددت في فتحه:

لا يجوز أن ترد على خصومك بما يُفهم منه تلميحًا -فضلاً عن تصريحًا- انتقاصًا لأحد من الأنبياء أو الأصحاب.

لا يجوز أن يقول خصمك: هذا تصرف خطأ أو إجرامي أو باطل، فتقول له: لقد فعله الصحابي الفلاني -تريد نَقض استدلاله-!

أنتَ مجرم.

فمن المخازي أن يقول أحدهم -محذرًا النساء من الخروج بغير إذن أزواجهن-: يجب على الزوجة أن لا تخرج إلا بإذن زوجها، ومَن تخرج بدون إذنه تكون غير صالحة.

المفترض أن يمر هذا الكلام مرور الكرام..

- فهل يخرس الآخر؟

= إنه لا يخرس، ويقول: خرجت عائشة -عليها وعلى أبيها الرضوان والسلام- بدون إذن النبي ﷺ وراءه لما ذهب للبقيع.

يا أخ: ما هذا؟ هل هذا موضع ذكر هذه القصة بالله عليك؟

يا أخ: هل يوجد في قلبك إيمان؟

عائشة كانت مريضة ويُخاض في عِرضها -في الإفك- واستأذنت لتخرج لأبَوَيها وهُم جيرانها ولن تمشي إلا 4 خطوات!

أو يقول أحدهم -ردًا على مَن يضربون الزوجات بغير حق-: الذي يضرب الزوجة ضربًا مبرحًا ويؤذيها شخص فاسد مجرم.

المفترض أن يمر هذا الكلام مرور الكرام..

- فهل يخرس الآخر؟

= إنه لا يخرس، ويقول: ضرب الزبير زوجته، وجماعة من الصحابة ضربوا نساءهم حتى إنهن ذهبن للنبي ﷺ يشكين.

أقول: هذا حديث لا يجوز ذكره في هذا الموضع أبدًا.

فيرد الطرف الأول: بأن النبي ﷺ قال: ليسوا بخياركم.

فيرد الثاني -مدعيا الشرف والتقوى-: معاذ الله، هل تقصد أن الصحابة الذين ضربوا نساءهم ليسوا بخيار؟ هل فلان وفلان ليسوا بخيار؟

أفٍّ لهذا، أفٍّ لهذا.

يا شباب: ما فاتَ للصحابة فقد فات، أخرِجوا انتزاعاتكم في الأسرة عن الصحابة إلا بالخير والتقوى -حصرا وفقط-.

هل يجوز أن أقول: الزناة / البخلاء / شاربوا الخمر مجرمون فسدة فساق؛ فتقول: قد كان من الصحابة مَن زنى، أو بخِل، أو شرب الخمر؛ لتنقض الكلام وتحمِّل كلامي ما لا يحتمل!

ماذا تريد مني؟ هل أقول: الزنا جيد وحلو؟ أم تريد مني الإساءة للصحابي؟

فكذا في ملف الأسرة لا يجوز أن أقولُ: على المرأة تعظيم زوجها واحترامه، وتقديره، وأن تحترم تصرفاته ولا تتجاوزه وإلا كانت زوجة سيئة؛ فتقولَ: الصحابية الفلانية كسرت الصحفة أمام الرجال، والصحابية الفلانية هجرت زوجها، وأمهات المؤمنين فعلن.

مهلاً مهلاً: ماذا تريد مني؟ أتريد مني أن أقول: نعم جميل أن تهجرَ المرأةُ زوجَها، وتكسِر الأواني أمام الضيوف؟ أم تريد مني الطعن في الصحابيات؟ قل لي ماذا تريد أيها الأخرق الغبي؟

أقول مكررًا: التصرف الصحيح -بإطلاق واطراد- هو عدم تعريض أحد من الأنبياء أو الصحابة لانتزاعات تضع الخصم المتكلم بكلام صحيح في حرج.

وإنما تُذكر تلك القصص في مواضعها اللائقة.

فيُنصح الرجال بالصبر على النساء، وأن يُتجاوز عن هفواتهن، وأن المرأة جليلة القدر عظيمة المقام قد يقع منها شيءٌ أو هفوة.

وعليه: اصبروا على زوجاتكم، فقد صبر الصالحون قبلكم، وليكن صدركم لنسائكم أوسع، وإن الحفاظ على تماسك الأسرة مقدم على هفوة هنا أو خطأ هنالك ما دام تاريخها طيبًا.

أو تُنصح النساء بالصبر على أزواجهن، وأن تغفر المرأة لزوجها بعض ما يقع فيه من غضب وعصبية، وأن الرجل الجليل قد يقع منه شيء يؤذيها، فعليها أن تصبر وتحتسب كما صبرت النساء الصالحات قبلها.

أقول: هذا الذي أدين به لله، ولا أعلم أني انتزعت يومًا انتزاعًا من الصحابة -فضلاً عن الأنبياء- بما يعرض مكانتهم للخطر أو سوء الفهم والكلام، ولو أدى ذلك لخسارتي في الصراع.

والله وبالله هذا الذي كتبتُه قد تهيأت له قبل أشهر، وسكتُ حتى لا يمر على لساني أو أصابع يدي ما كتبت، ولكن الأمر يزداد شرًا والخطر يزداد استفحالاً؛ فلزم البيان -والقلب يرتجف، والدمع ينهمر، والكبِد يعتصر-.

والله أعلم.

تعليقات وإضافات صاحب المقال1

الذي يلاحظه الناس: أني لا أتكلم عن رغبة علي في التعدد على فاطمة -رضي الله عنهما-.

تعرف أن خصومي هُم الذين يمنعونني؟

هل تتوهم أني غير قادر على الكلام عن رغبة علي في التعدد وموقف النبي ﷺ وموقف فاطمة؟

إنما أنا خائف من كلام خصومي على النبي ﷺ وعليٍّ وفاطمة إذ سيحاولون نقض كلامي فيؤذونهم = فسكتُ.