سلسلةقطوف حول الوعي

النظرة المادية تجاه الدكتور والمهندس واللاعبين.

النظرة المادية تجاه الدكتور والمهندس.

تريد أن تعرف تعظيم الدنيا في قلوب الناس بما أخرجها عن حد الاعتدال؟ حتى إنك لتشعر أن بعض الناس يعبدونها؟

جرب أن تنتقد -دينيًا- أحدًا ناجحا دنيويا.

مثلا لاعب كرة أو كمال أجسام يظهر عورته، أو دكتورة في مؤسسة عملاقة متبرجة، أو فتاة تلعب رياضة أحرزت أولمبيات.

جرب أن تنشر منشورًا وقُل به: الدكتورة الجامعية الفلانية "متبرجة" أو "تختلط -دائما- بالرجال" وهذا تصرف لا يجوز.

جرب..

ثم شنف أذنيك بقذف المحصنات من أهلك، والكفر بالله، والتطاول على الدين، والطعن في طفولتك، ولَيِّ أعناق النصوص، والإساءة للبخاري! واتهامك بخيانة البلد! والمنشن لوزارة الداخلية هههه.

مجرد أن تقترب مما يعظمه الناس بما يصل إلى التعظيم بهَوَس -أو العبادة- = لن يسمح هؤلاء بالاقتراب مما يعظمونه.

وأعظم ما يعظمه الناس "الشهادات النظامية" ثم النجاحات الاستثنائية الدنيوية -ولو تافهة في حقيقتها-.

وسبب تعظيمهم المفرط للشهادة خصوصا لو "دكتوراة" هو فقر الإنجازات في حياتهم.

أقصد: الناس لا يوجد في حياتها إنجازات حقيقية (مُداس على وجههم من قِبل النظام العالمي منذ وُلدوا) لذا يستمسكون ويقاتلون على أخر ما يشعرهم بقيمة ما.. أو تميز ما.. مع أن اللائق أن تُمدح شهادة الدكتوراة في موضعها لا أن تكون سيفا!!

أقصد: أخونا الدكتور المحترم، دكتور في إيه؟

= دكتور عظام.

- ما شاء الله، ممكن حضرتك يا دكتور تفهمنا حضرتك اتعلمت إيه غير تخصصك؟

= لا شيء، أنا دكتور عظام.

- أنا فاهم يا دكتور، حتى على اليافطة مكتوب الزمالة البريطانية، أنا بسأل حضرتك في الكلية والزمالة درست إيه؟

= يابني درست تخصص عظام قلت لك!!

- يعني لم تدرس علم الحديث ولا قراءات (أقصد حضرتك جاهل بالقرآن والسنة) ولا علم نَفس ولا هندسة، ولا تكنولوجيا، ولا أقتصاد، ولا سياسة، ولا ولا ولا..؟

= الحقيقة: لم أدرس أي شيء من ذلك، وأنا جاهل فعلا بكل ما ذكرت، حتى الأمور التي تعلمتها مما ذكرتَ إنما تعلمتها على المستوي الشخصي من أبي أو أصحابي أو جيراني -لا أنه يُعلَّم في الكلية عندنا-.

لكن يا أحمد: أنا عندي علم بمصطلح الحديث وكذلك علم النفس، بل عندي خبرة كبيرة جدا بالسياسة، لكن هذا أخذته من أبي -رحمه الله- لأنه كان شغوفا بتلك المسائل.

= أنا متفهم هذا دكتورنا، ولم أُرِد أن أنتقصك، وإنما أُبيِّنُ لك موْضعَ قدمك؛ لأن المجتمع يريد أن يعطيك مكانة أكبر من حجمك فتضر بك وتؤذيك.

- لماذا يعطونيها يا أحمد؟!

= لأنهم يريدونها في أنفسهم إذ لا سبيل أمامهم غيرها.

فالمجتمع يريد تعظيم الدكتوراة.

والتي بالأساس أوْهَمَهم بها مَن في الأعلى ليتصارعوا عليها فيجدوا ما يفخروا به.

أخونا الذي كان في كلية شريعة بمجموع 60٪ عمل ماجستير في الأحاديث التي ضعفها أبو داوود في سننه.

- حلو جدا يا أحمد، وأنتَ مقموص ليه؟

= ههههه يابني والله ما مقموص، الفكرة أن أخانا بعدما ناقش الأحاديث التي ضعفها أبو داوود وحصل على دكتوراة = لم نعد نستطيع الحديث معه وهو لم يُضِفْ إلى علمه إلا فهْم تلك المسألة الواحدة؟

فاهمني؟

- لأ.

= انتبه معي:

أخونا قبل أن يحصل على الدكتوراة، ما كانت خبرته وثقافته حول الطب بأفرعه -جلدية، عظام، مخ، قلب، باطنة... إلخ-؟ ما خبرته حول الهندسة بأفرعها -ميكانيكا، كهرباء، بترول، عمارة.. إلخ-؟ حول السياسة؟ حول الفيزياء؟ حول فن الكاركاتير؟ حول البرمجة -ويب، بيانات، جرافكس، أمن، حوسبة.. إلخ-؟ حول نفوس الناس؟ حول الأقتصاد؟ حول الحروب؟ حول الطائرات الحربية وتصنيعها؟ حول الزراعة؟ حول القوانين والدساتير -مرن، جامد، وحودي، إتحادي.. إلخ-؟ حول المحاماة؟ حول ريادة الأعمال -تقليدية، رقمية-؟ بل حول تخصصات عامة قريبة من تخصصه كالقراءات؟ والنحو؟ والفقه؟ والقواعد الفقهية؟ وأصول الفقه؟

- ثانية واحدة، هل يوجد فرق بين أصول الفقه والقواعد الفقهية؟

= دعني أكمل لو سمحت، ما خبرته بأمور لصيقة بتخصصه الحديثي كـ منهج باقي أصحاب الكتب الستة وطرق تعاملاتهم؟

- امممم ممكن يا أحمد نقول: خبرته وفهمه في كل تلك الأمور تتراوح ما بين 0.5٪ إلى 2٪.

= جميل جدا.

جميل أن يعلم أنه قبل 8 أشهر كان علمه في تلك الأمور يتراوح ما بين 0.5٪ إلى 2٪.

السؤال الحاسم الآن الذي أنشأت المنشور من أجله:

س: بعدما حصل أخونا على الدكتوراة في الأحاديث التي ضعفها أبو داوود في سننه، ما هي خبرته حول الأمور التي سبق وسألنا عن خبرته بها؟

- هي هي يا أحمد! فالرجل أخذ دكتوراة حول مسألة واحدة فقط عن سنن أبي داوود، مال هذا بزيادة ثقافته بالهندسة، والبرمجة والطب والنحو والقواعد الفقهية؟!

= إذن أرجو أن تخبره وتخبر أُمَّه وأباه بهذا لأنهم أزعجونا وقرفونا في حياتنا بسبب حصوله على الدكتوراة وكلمنا تكلمنا معه كلمة، قال: أنا معي دكتوراة، أنا دكتور، أنتَ خريج إيه؟ ومعاك إيه؟ أنتَ جايب كام في الـ.. ٪ في الثانوية العامة لتتكلم معي هكذا..!!

- أحمد.

= ها بدأت تفهمني أهو باين 😏

- لأ ثواني، أنتَ عملت ليا Error في دماغي.

لحظة: هل تقصد أن أخانا دكتور الجلدية اتعلم جزئية ما... وأخانا دكتور العظام عنده علم بجزئية ما... وأخانا دكتور الحديث لديه علم بجزئية ما... وأخانا دكتور الاقتصاد عنده علم بجزئية ما.. و و و كل هؤلاء لم تتقدم حياتهم العلمية إلا في مسألة واحدة أو مسألتين على الأكثر؟ وكل العلم أو الفهم الذي حصلوه خارج تخصصهم إنما حصلوه بسبب النشأة أو البيئة أو الأصدقاء أو الاحتكاك بطبقة ما.. أو مَن يتابعونه على السوشيال أو أو... ولا علاقة له بتخصصهم مما يعني أنهم كانوا قادرين على تحصيل هذا الفهم من دون الحاجة إلى الدكتوراة بدليل أنهم كانوا على علم بتلك المسائل من قبل الدكتوراة أصلا؟

= الله ينووور عليك، يااااااه لقد هرمت من أجل هذه اللحظة يا فتى.

- أمال قارفنا ليه: الدكتور راح/ الدكتور جاء/ اسكت أنا دكتور!

= طب ما أنت بتعمل كده!

- آه تصدق، دا أنا لسه متعلمها حالا 😁 (الفهم بيخلي الواحد يتنطط ولا يرى أمامه فعلا).

= فهم؟ فهمت مسألة واحدة! عرفت لماذا يزعجنا الدكاترة؟

النظام هو مَن يريد تغذية هذا الشعور لدى المجتمع، ويريدهم أن يقاتلوا عليه ويدفعهم إليه، لأن الناس لا يمكن أن تطأ على وجوههم دون أن تشعرهم أن لديهم لديهم فرصة للتميز، -ومن بينها: الحصول على كلمة دكتوراة-.

وإلا: أخوان توأمان، أحدهما في الثانوية كان متوترا فأخفق في إمتحان العربي، المهم أن أحدهما حصد درجة 96٪ فذهب إلى كلية الطب، والآخر دخل كلية حقوق.

- ما الطفرة الجينية التي حدثت في عقل وجسد أخينا الذي حصل على مجموع 96٪؟ قبل 4 أيام من ظهور النتيجة وبعدها؟؟

الآن نحن يوم الأربعاء وكان الأخوان يعيشان حياة هادئة، هووووب يوم الخميس فظهر أن أحدهما سيدخل طبً أو هندسةً، ما الذي حدث جينيا وفكريا لهما؟ = ولا أي شيء.

سافر كلاهما جامعة القاهرة أحدهما إلى طب والآخر إلى دار العلوم.

فدَرَس هذا الطب وتخصص قلب أو جلدية.. إلخ والآخر لغة عربية ودراسات إسلامية.

أين الطفرة الأخلاقية والجينية والعقلية عندهما إلا ما يدرسه كل منهما في تخصصه + بعض الخبرات المكتسبة من السفر والاحتكاك ببعض زملائهم!

أليست تلك هي الحقيقة؟

فمَن احتك بأصدقاء على تربية حسنة وثقافة = سيأخذ منهم.

ومَن احتك بأصدقاء سفلة رعاع = سيأخذ منهم (بغض النظر عن مَا يدرسه).

بل لو أن الآخر لم يذهب إلى الجامعة أصلاً = لن يضره شيء لا في دينه ولا دنياه ولا ثقافته ولا شيء إلا فوات أن يتخصص تخصصا ما + بعض فوائد السفر والاحتكاك بتوسيع دائرته المعرفية كما لا يخفى.

أريد أن أقول: هو حصل على شهاة في تخصص ما.. فلا يرى بعدها أحدًا يدانيه!! وهو ما زال جاهلا بكل شيء -عدا الجزئية التي تخصص فيها-.

بل دعني أنزل عليك بالقاضية.

- هو لسه فيه قاضية؟ دا أنت لسه مقولتش الفرق بين القواعد والأصول؟

= هفهمك حتة أحلى:

أخونا الذي حصل على زمالة في العظام أو الجلدية أو في الأحاديث التي ضعفها أبو داوود (قبل حصوله على الدكتوراة بـ7 أسابيع): ما تعامله مع أصحابه؟ وطرق بره بأمه؟ ولياقته مع أبيه؟ وحسن عشرته لزوجته؟ ولُطفه مع جيرانه؟ وخُلُقه مع زملائه؟ وتربيته لعياله؟

- تقريبا يا أحمد 45٪ لإن والده الحاج إبراهيم رباه على بعض الأخلاق الطيبة.

= ربنا يسامحه الحاج إبراهيم.

- ليه؟

= ليس وقته، السؤال الآن: بعدما حصل أخونا على الدكتوراة في تخصص العظام أو الأنف والأذن أو الحديث أو التفسير أو الوقاية من الإشعاع النووي أو أمن المعلومات أو أو... ما هي أخلاقه الآن مع مَن ذكرناهم؟

أقصد: لنفترض أن زملاءه وجيرانه وأصهاره وزوجته وأخته لا يعلمون أنه حصل على دكتوراة، هل بعد حصوله على الدكتوراة سيقولون في أنفسهم: ما شاء الله، لقد تغير تعامل هذا الرجل كثيرًا وصار حسن الخُلق صبورا حييًا كريما شجاعًا نبيلا حليما، لا بد أنه حصل على دكتوراة في تخصص ما؟

- هههههه أكيد لأ، ولا أي شيء! فالذين يعرفونه قبل الدكتوراة ويعاملهم بتعامل ما... = هو هو تعامله معهم بعد الدكتوراة.

أنتَ عاوز تقول إيه؟

= عاوز أقول: لو أن زوجته لا تعلم أنه حصل على دكتوراة = فلن تشعر بتحسن في تعامله.

ولو أن الجيران لا يعرفون أنه حصل للتو على دكتوراة = فلن يشعروا بتحسن في أخلاقه.

- ماهو يا أحمد كيف ستتحسن أخلاقه وهو إنما كان يدرس تخصص كبد؟

= قل لهم هذا الكلام إذن!

فأخونا قبل الدكتوراة = هو هو أخونا بعدها.

فلا هو زاد علم -اللهم إلا المسألة التي تخصص فيها فقط- ولا زاد خُلق، وكل ما حصَّله من علم وثقافة وأخلاق وفهم -سواء قبل الدكتوراة أو أثنائها أو بعدها- = إنما هو حصله من الخارج -بيئة، تنشئة، ثقافة، مواقف.. إلخ-.

إذا فهمتَ هذا عني: أدركتَ لماذا لا ترهبني الـ "د/"

فالدكتور، المهندس، الميكانيكي، النجار، الصيدلي، المبرمج، الفوتوغرافر، السواق، السباك، الكهربائي، الشيخ، البقال = كلهم عندي سواء، فكما أن أخانا الدكتور تعب 6 سنوات ليتعلم تخصص عظام، كذلك تعب أخونا الميكانيكي ليتعلم تصليح السيارات.

فكل رجل منهما في تخصصه وموضعه.

والثقافة التي يتحلى بها أحدهما أو حسن خُلُقه أنا أعلم أنها راجعة إلى تربيته وثقاقته وبيئته وأخلاق ونوعية أصدقائه.

فكما أن هناك دكتورا مثقفا = هناك ميكانيكي ونجارٌ مثقف.

وكما أن هناك دكتورا سيئ الخلق = هناك ميكانيكي ونجارٌ مثله.

فلا الدكتوراة تُعلِّم حسن الخلق، ولا الصَنعَة تعلم حسن الخُلُق

ولا الدكتوراة تعلِّم سوء الخلق، ولا الصنعة تعلم سوء الخُلق

أقصد: الدكتوراة لا تقول: كن حسن الخلق، ولا تقول: كن سيئ الخلق

تماما كالصنعة سواء، لا هي تقول: كن سيئا، ولا تقول: كن جيدا.

هي تخصصات في مجال ما.. وفقط.

- أحمد

= ها؟

- هناك دكاترة تحسنت أخلاقهم بالفعل.

= كذلك هناك دكاترة ساءت أخلاقهم 🤷 هو أمر خارجي بيئي واجتماعي ونوعية احتكاكات كما قلت لك.

فكما هناك سباك غشاش، هناك دكتور مثله كما لا يخفى عليك.

- هناك دكاترة تحسنت شخصياتهم واتجهت للأفضل

= كذلك هناك دكاترة ساؤوا.

بل لو أنصفت فهناك نجارين ومدرسين ومزارعين تحسنت أخلاقهم عندما تخصصوا في تخصص ما أو ساءت أخلاقهم كذلك.

فلا تشغب عليَّ أخي.

أبو ذر رضي الله عنه كان معه أعلى من دكتوراة أو أي وسام، فكان من أوائل من أسلم وشهد له ﷺ بالصدق والفضل والمكانة العَلية، ومع ذلك قال له: لا تتولى إمارة فأنتَ ضعيف!!

فنحن تخصصات كلٌّ في موضِعه ومكانه نُكمِّل بعضنا بعضا، فلا توهم نفسك أمورًا؛ فتتكبر وتخسر.

فإنه لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر.

- لم تخبرني بالفرق بين القواعد الفقهية وأصول الفقه أيضا!

#قطوف_حول_الوعي

تعليقات وإضافات صاحب المقال4

جائني عميل يكذب كذبة صارخة متعلقة بإرجاع منتج ما..

فـ لأدبي: لمحت له بكذبه -دون مواجهة-، فقال: أنا مش هكذب أنا دكتور.

= فوافقت على إرجاع ما أفسده وتحملت الخسارة لأنه متخلف.

تدري لماذا أرجعت المنتج وخسرت؟ = لأنه غبي.

فخسارة مالية = أهون من إحراج مَن هذا عقله.

راجع منشور نور الدين قوطيط

🔗مقال على فيسبوك

الآن ستدرك بعمق لماذا كنت أسخر هنا من الزوجات الحاصلة على ماجستير.

🔗مقال على فيسبوك

وهنا كذلك 😁

🔗مقال على فيسبوك

فيديو ساخر.

لكن إذا كانت تلك عقلية الدعاة والمفترض بهم توجيه الناس وتعليمهم فماذا تنتظر؟!

النظرة المادية تجاه الدكتور والمهندس واللاعبين. — قطوف حول الوعي