عدم استغلال الواسطة في الزواج تصرُّفٌ غير صحيح؛ فالكلام مع الواسطة خير من الكلام مباشرة بين الصهرين.
أقصد: عادةً ما يرسل الشابُّ واسطةً ليُفاتح أهل الفتاة مبدئيًّا.
قال أنس: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى جُلَيْبِيبٍ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى أَبِيهَا. أخرجه أحمد وغيره.
قلتُ: فدخول واسطةٍ فعلٌ حسنٌ، أؤيِّده في عصرنا ما أمكن.
فعلى الشابِّ أن يختار واسطةً يعرفه ويعرف آل الفتاة، ثمَّ على الطرفين أن يستغلَّا وجود الواسطة ما أمكنهما ويستفيدا منها، ثمَّ تتمُّ بعض الاطمئنانات من خلالها.
أقصد: يمكن للشابِّ أن يقول له: «فاتِح آل الفتاة، وبيِّن لهم أنَّني سأجهِّز بيتي ولن أوقِّع قائمةً، أو لن أسمح لها بالاستمرار في الجامعة أو العمل بعد الزواج، أو سأعيش في شقَّة إيجار، أو سأعيش مع أهلي، أو سأسافر بالفتاة عقب الزواج، أو سأدفع مهرًا قدره كذا.. أو من شروطي كذا.. أو كذا.. إلخ»، ممَّا يظنُّ الشابُّ أنَّه قد يزعج الفتاة وأهلها.
- لِمَ يتمُّ هذا الكلام مع الواسطة قبل رؤية الشاب للفتاة؟
= حتى يتسنَّى لآل الفتاة أن يتكلموا ويقولوا ما في أنفسهم.
فعندما يذهب الواسطة ويخبر الفتاة وأهلها بشرط عدم العمل بعد الزواج = سيناقشه الأصهار بما لا يقدرون على مناقشته مع الشاب.
فالسيناريو المتوقَّع من آل الفتاة مع الواسطة:
- لماذا لا تعمل؟ ولماذا علّمناها إذن؟!
= هذا أحسن لها وأحفظ.
- البنت تحبُّ تخصُّصها وعندها طاقة.
= البيت سيشغلها.
- لعله لا يقدر على كفاية بيته؟
= لا لا، الشاب ما شاء الله راتبه جيِّد، وأهله عندهم مال.
- مال كم؟
= دخله الشهري في حدود كذا..
- ما شاء الله، لكنَّ ابنتي تريد أن تعمل كذلك.
= اسمع منِّي أنا أريد مصلحتها، غدًا لن تجد وقتًا بسبب العيال.
- أمِن أوَّلها يشترط علينا؟!
= بالعكس، هو شابٌّ مؤدَّب وصريح وواضح، بدلاً من أن يتزوَّج ثمَّ ينغِّص عليها.
- الواد ده أنا مش مرتاح له.
= اسمع منِّي، هو شاب محترم، ويصلي، ويتصدق، ومجتهد في دينه ودنياه، ولو كان كما تقولُ ما كنتُ سأتوسط له.
- هل هو متشدِّد؟
= لا غير متشدِّد، لكنَّه يرى أنَّ هذا هو الصواب والدِّين، ثمَّ إنَّه يريحه ويجعل بيته أكثر استقرارًا؛ فالرجل يريد أن يرجع إلى البيت ليجد زوجته في استقباله، لا أن يتصل بها فتخبره: أن عندها تفتيشًا من الإدارة وستتأخَّر في العمل!
فالحق: أنا أرى أن الشابَّ لم يخطئ في شرطه؛ فسواء كان متشددًا ولّا متنيلاً على عينه، فهو لم يخطئ.
- يعني أأرفض أم أوافق؟
= وافِق، ألا ترى العِرر الأنطاع الذين يجبرون زوجاتهم على العمل -تلميحا أو تصريحا-؟!
- لكن البنت تحب أن تعمل.
= يا عم ولا حابَّة ولا شيء، غدًا ستنساه، هي تقول ذلك لأنها لم تتزوَّج ولم تجرب العمل، ثم إنه بهدلة لها ويعرضها لمواقف لا تجوز، وتضطر أن تسكت وتُكْمل.
- يعني أوافق؟
= نعم وافِق، فقولُ الشابِّ: «أريدها ألَّا تعمل»، لَهُوَ خيرٌ من شابٍّ يقول: «سأسمح لها بالعمل»، فضلاً عن أن يشترط أن تعمل؛ أطِعني وتمِّم الأمر.
- موافقون.
سيذهب الواسطة ويقول للشاب: الأمور كلها تمام يا بني، والناس يرحِّبون بك، وأخذت لك منهم موعدًا يوم الجمعة القادم للرؤية.
والشاب لا يعلم أنه قد تمت إهانته، ولا التطاول عليه من قِبَل الطرفين ههههه؛ فيذهب بصدر منشرح، ويستقبله أصهاره بالانشراح نفسه، فلا يصطدمان لاحقًا في هذا الأمر.
لكن لو تمت هذه المناقشة بين الشاب وصهره = سيتم إفساد الزواج.
وفي أحسن الاحتمالات: سيحمل الشاب في صدره تجاه صهره، وسيظل هناك شرخٌ في صدورهما لبعضهما، نظرًا لصراعهما المباشر، هذا لأن المصارعة تستلزم انتصار أحدهما، وهذا صراع لا أؤيِّده.
طبعا آل الفتاة يمكنهم استغلال الواسطة كذلك، بأن تشترط الفتاة عدم اجتماعها في بيت أمِّه والأكل معها على الدوام.
ثم تخيَّل أنت سيناريو كالسابق في جدال الواسطة مع الشاب ومحاولة إقناعه بأن طلب الفتاة من حقها، وأنه أدعى لاستقرار بيتها، ثم موافقة الشابِّ أخيرًا على رغبتها، وتعهُّده بأنها ستعيش منفصلة عن أهله، اللهم إلا الزيارات والمودة بالمعروف، ثم تخيل أن يكون هذا الصراع بين الشابِّ وحماه، فضلاً عن أن يكون الصراع بين الشاب والفتاة!
يجب استغلال الواسطة قدر الإمكان.
نعم، لا مفرَّ من خلافٍ قد يحدث بين الشاب وحماه، أو بين الشاب والفتاة، فهذا وارد ولا مشكلة فيه، ولكن نكون قد قطعنا شوطًا كبيرًا من الاتفاقات قبل ذلك.
ثم لو كان الأمر عصيبًا عند كليهما ولن يتنازل أحدهما = فيتمُّ إنهاؤه من الخارج دون دخول البيوت والشجار فيها.
أقصد: هناك شابٌّ لن يقبل بعمل امرأته، أو لن يوقِّع قائمةً ولو على رقبته، وكذلك هناك فتاةٌ لن تتزوَّج إلَّا بقائمة وتشترط العمل ولو عنست؛ فالأفضل لهما ألَّا يلتقيا؛ هذا لأنَّ هذه اللقاءات وإنْ باءت بالفشل والانفصال، فإنَّها تترك نُدوبًا في قلوبهما عادةً، فلا داعي للقاء.
وحينها سينتهي الأمر بذوقٍ ولطفٍ مع الواسطة.
أقصد: لو لم يتم الاتفاق، فسيخبر الواسطةُ الشابَّ بأن الناس لا يرغبون في تزويج الفتاة حاليًّا، فينتهي الأمر بأدب.
ولا يجوز للواسطة أن يخبر أحدهما بتطاولٍ تمَّ من الآخر.
والله أعلم.
#قطوف_حول_الخطبة
#قطوف_حول_الأصهار

