قديما كنا نرى "بعض" نِعم الآخرين التي لا نمتلكها بشكل سريع، وفي وقت يسير، وعَرَضي.
أقصد: قد ترى بيتا واحدا -أو ثلاثة- أجمل من بيتك، لكن ذلك عندما تمر بجواره في لحظة سريعة من الزمن وفي وقت مرورك.
كذا عندما ترى سيارة أجمل من سيارتك أو ربما لا تملك سيارة.
كذا عندما ترى رجلا يعمل عملا أيسر من عملك ويجني مالا كبيرا...
وعلى هذا فقِس كل النِعَم التي لا تملك نحوها أو لا تملك أصولها حتى.
كنا نراها: مرة واحدة، وعابرة، وسريعة، وعندما نخرج إلى الشارع عند مكان النعمة.
وعليه: فقد يكون هناك نِعما لا نعرفها ولا نراها -وربما لا نسمع عنها أصلاً- تكون في مدن أخرى أو حتى داخل بيوت خاصة وفي مواضع خاصة لا نقدر على رؤيتها.
فكنا نرتاح من عدم رؤية هذه النعَم أصلاً.
للأسف دخول السوشيال والاطلاع على نعَم الآخرين = أضرَّ ضررا كبيرا.
طوال اليوم:
- نساء أجمل من زوجتك بما لا يمكن تخيله، نساء تذهل النساء فما بالك بالرجال! - بالك بمن هو غير متزوج -!
- رجال أجمل من زوجها، رجال يمتلكون كل القوى مجتمعة بما يبهر الشاب! فما بالك بفتاة تشتهي الزواج، أو متزوجة في شقاء!
- بيوت وقصور عجيبة مذهلة، تقف مشدوها أمام عظمتها وضخامتها واتساعها...إلخ
- أموال طائلة تُنفق من الأثرياء كما يُنفق الجنية الواحد!
- سفر، سياحة، رفاهية، طائرات، يخوت، فِلل، حراسات، خدم، ممتلكات ضخمة...إلخ
- رشاقة، ذكاء، علم، صحة، قوة... إلخ بما لا نملك مثله ولا يدانيه حتى.
- أرقام مالية عجيبة! يقولون لو أنفق 10 آلاف سنة ما نفد ماله!
المشكلة الأكبر ليس في رؤيتنا هذه النعم، فلربما كنا نرى بعضها بدون سوشيال، الإشكال الحقيقي:
هو تكرار هذه النِعَم أمامنا وكثافتها حتى تظن أنك الوحيد الذي لا يملك تلك النعم!
أقصد: عندما ترى مَن يذهبون إلى أماكن سياحية بأعداد مليونية = تذهل، تقول في نفسك: إن العالم كله هناك دوني!
عندما ترى ملايين النساء الجميلة، بل ومفرطة الجمال والنعومة، وكأن أحدا لم يزوج بامرأة عادية غيرك!
ليت هذا فقط، بل مكررة أمامك على مدار اليوم.
أقصد: في الصباح والمساء، في البيت والشارع، في الداخل أو الخارج، بل وأنتَ متكئ نائم = ترى هذه النعم بشكل مكثف ودائم ومتكرر.
فقديما كنا ننظر بشكل عابر وربما لا نشتهي النعمة، وحتى لو اشتهيناها؛ فتكون عابرة لحظية وننساها لأننا لن نراها مرة أخرى أو بعد زمن طويل.
لكن الآن النعم مكررة على طول اليوم وعرضه!
أقول: هذا غَيَّر في طموحات الناس بشكل كبير بما لا يتناسب مع قدراتهم ولا إمكانياتهم.
بمعنى: قديما كنا نشتهي عملا ما للكفاف، ثم عملا أكبر عندما نختلط بفئة أعلى، ثم أكبر، ثم ثم.. بما يناسب مستوياتنا غالبا.
أو نشتهي بيتا أحلى من بيتنا في مدينتا، ثم لو امتلكناه نشتهي ما فوقه.
أريد أن أقول: كنا نتدرج في الطموحات للأعلى لأن هذا هو المتاح أمامنا أصلاً.
وهو يناسب أعمارنا وطموحاتنا.
لهذا كنا ونحن في الطفولة نشتهي دراجة، ثم موتوسيكل ثم إييييه حتى نشتهي سيارة وربما والله لا يخطر ببالنا سيارة.
لكن الآن نرى نعما كبيرة ضخمة جدا بما لا يتناسب مع طموحنا ولا قدراتنا ولا أعمارنا حتى.
وهذا يسبب أضرارا كثيرة نفسيا واجتماعيا وأسريًا.
أقصد: هذا أضر بالشخص نفسه، وبأسرته، وبمحيطه عامة، وأصبح هناك تسخط عام لا ندرك أن عمقه هو رؤية كل هذه النعم بشكل مكثف ومستمر.
فكل الناس صحتها أحسن، أبناؤهم أفضل، آباؤهم أغنى، زوجاتهم أجمل، أعمالهم أيسر، ذاكرتهم أقوى، أوقاتهم أوفر، حياتهم أعلى، ماكولاتهم أشهى... إلخ = حتى سيطرت النظرة المادية على الجميع، الجميع يريد المال بشكل كبير ومفرط.
أقصد: لم يعد الاشتهاء لمال كفاف بدلا الحوجة، أو سيارة عادية تقضي المشوار، أو بيت يأوي من البرد أو زوجة تعف أو أو.... = بل الطموحات كبيرة جدا.
- هل سنصل لهذه الأمنيات؟
= لأ غالبا
ولا نستفيد إلا تعكير أمزجتنا، وإنهاك أنفسنا في الأعمال الدنيوية بما لا يحقق شيئا.
ثم أعظم من ذلك كله: نسيان نِعَم الله علينا وعدم إعطاءها قدرها الذي تستحقه.
- نسينا أننا وإن كنا لا نملك سيارة = إلا أننا نملك أرجلا صحيحة.
- وإن كنا لا نملك بيتا = إلا أننا نقدر على دفع الإيجار.
- وإن كنا لا نملك زواجا كزواج فلان = لكننا نملك زواجا على كل حال.
- وإن كنا لا نعمل عملا مريحا يَجني الملايين = إلا أننا نقدر على العمل.
- وإن كنا لم نَزُرِ المدن السياحية = إلا أننا لا نقبع في المستشفيات.
أريد أن أقول ما قاله ﷺ: انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله. أخرجه أحمد ومسلم.
إننا نسينا نِعم الله التي لا تعد ولا تحصى، وصرنا في حاجة إلى من يذكرنا بها في مقطع ريلز يشرح أن هناك معاناة في المكان الفلاني؛ فنحمد الله!
هل صرنا في حاجة للتذكير بنعم الله؟!
وصل بنا الحال أننا ننتظر مَن يذكرنا بفضل الله؟!
اللهم اغفرنا لنا تقصيرنا في شكر كل نعمة أنعمتَ بها علينا فغفلنا عن شكرها.
#قطوف_حول_البيوت

