أهمية الهدرِ في المصالحات وحل المشكلات.
أعظم خطأ في حل المشكلات: عدم بذل ما يُحتمل هَدره.
الأخ -أو الأخت- بينه وبين زوجته مشكلة ما.. -أو أحد أهله أو أصهاره- فيريد أن يصالحهم أو يحل مشكلته بشرط: لا يضيع أي جهد!
أقصد: لا يريد أن يضحِّي بوقت أو بمال أو بمدح أو باعتذار ثم يَرفضُ الآخرُ هذا الاعتذار أو المال أو المدح؛ فيضيع ما بذله هدرًا!
وهذا التصرف عند المشكلات والمصالحات = باطل، ويدل أن الأخ -أو الأخت- يتقلب في الحمق.
يُريدُ أن يصالحَ بالطريقة التي يريدها هو! لا ما يريدُ الآخرُ!
ليس هذا فحسب، بل لا يريدُ بذلَ أي جهد -لحل مشكلته- من المحتمل أن لا يأتي بنتيجة!
ومثل هؤلاء لا يتقدمون في حل المشكلات.
والتصرف الصحيح في المصالحات: هو المصالحة بالطريقة التي تُرضِي الآخرَ لا ما ترضيك أنتَ + ينبغي أنْ لا تتوقف عن السعي في المصالحة بعد أنْ رفضَ الآخرُ إحدى محاولاتِك!
بمعنى: يجب عليك تكرار السعي في إرضائه حتى يرضى.
مثلا: رجل ظلم زوجتَه فغضِبت؛ فيريد أن يقول لها: نتعشى معًا أو نخرج سويا ليتصالحا! فإذا رفضت الزوجةُ طلبَه -الذي ليس فيه اعتذار عن ظلمِه أصلاً!- = تبرَّمَ أنها لا تريد المصالحة! ويقوم بالتصعيد أمامها!
بل ربما ادَّعى: أنه حاول مصالحتها مرارًا -بتكراره الطريقة الغبية نفسها!- ولكنها عنيدة ترفض!!
- ما هذا أخي؟!
- أنتَ تتقلب في الإخفاق والكِبر والعناد لا هي.
قال لي صديق: زوجته لا تريد المصالحة -بعد خطأ شديد له-.
فقلت له: أخرج معها واشترِ لها هدية = فرفضت الزوجة الذهاب! وأن مثل ذلك لا يصالحها.
كلمني الأخ بعدها فقال: رفضت!
فقلتُ: وماذا فعلتَ؟ قال: سكتُ.
فشتمته، وأمرته أن يشتري لها الهدية ويقول: أنا أشتري لك سواء تصالحنا أو لا = فرضيتْ وتصالحَا!
أقول: الزوجة تستشعر ألما في قلبها جرَّاء اعتداء الزوج، فعندما يجعل الهدية "مالية بحتة" للمصالحة = تستشعر الزوجة بإهانة! -إنْ كان الظلم كبيرًا- هل تظلمني ثم تصالحني بـ200 جنيه!
بعكس ما لو جعل الهدية معنوية بالمقام الأول، وأنه يحب رضاها ولو لم يتصالحا = هنا قد عصف بعاطفتها عصفا، ويجعلها تستسلم.
كذلك جائتني أخت طيبة فقالت أنها فعلت كذا.. -مُسِيئة إساءة عظيمة لزوجها-.
فقلت: وكيف صالحتِيه؟ = فقالت: بكذا.. وكذا.. ورفض.
فقلت: تأسفي له وابكِ ولا تبرحي حتى يرضى -مهما طال وقت الأسف والبكاء والندم- بشرط: وُعُودٌ بعدم التكرار + بيان ظلمك + لا تُحَمِّليه مثقال ذرة من خطأ.
أقصد: من الإجرام عند المصالحة أن تُحمِّل الطرف المظلوم قِسْطا من الخطأ لتخفف من جريمتك أمامه وأنه أحد أسبابها! = هذا تصرف باطل، ويحفز الطرف الآخر بأعنف ما يمكن.
قالت الأخت: فإن لم يصالحني؟
فقلت: أتثقين بي؟ = قالت: المنتهى.
فقلت: سيرضي.
فذهبت الزوجةُ فاعتذرت؛ فرفض، فبكت؛ فرفض، فقبَّلت قدميه؛ فرفض، وأخبرها أنه لن يعفو قط مهما حدثَ؛ فأرادت أنْ تتوقف ثم تذكرت نصيحتي بأن لا تتراجع وسَيَلين بالنهاية، فنامت على الأرض عدة ساعات تقبل قدميه حتى رضي بالنهاية.
قالت: بعدما غفر وسامحَ وقبِل اعتذارها صار ألطف من قبل الخصومة!
أقول: الطرف المظلوم يريد أن يشعر بمشاعر ما.. في مُصالَحتِه حتى يرضى، ولكن لا يريد المخطئُ أو الظالمُ أن يُشعِر المظلومَ بتلك المشاعر! ولا يريد بذل أي جهد -فلربما الطرف الآخر لا يرضى ويكون ما بذله هدرًا-!
- افترض يا أحمد: لم يرضَ الزوجُ أو لم ترضى الزوجة في مثال صاحبك؟
= تعتذر أخرى وثالثة وعاشرة وتُنوِّع في الاعتذار والأسف.
- فإنْ لم يرض؟
= 260 مرة أسف عادي، بالأخير سيرضى.
الإشكال كما قلت لك: لا تتم المصالحة بالطريقة التي تُرضِي المظلوم + الضَنّ ببذل جهد -محتمل هدره-.
الأخ/الأخت: داخل للمصالحة وخائف من التضحية!
---------------- ---------------- ----------------
تذكرون لما قلت: أعرف شخصية الراسل والراسلة من رسائليهما؟ -أسهبت في بيان ذلك في أحد التعليقات، لكن يهمنا الآن جزئية الهدر-.
أقول: أحيانا أعرف سبب مشكلة الأخ الحقيقية من رسالته بأنه يبخل بالهدر حتى معي! ويريدني مستشاره!
أقصد: التصرف الصحيح في التواصل على الخاص مع أحد لا تعرفه وتريد استشارته في أزمة وقعت بها:
[السلام + كتابة الاستفسار أو المشكلة].
هل هناك أفضل وأيسر من هذا في العالم كله (سلام عليكم + كتابة المشكلة)؟!
= إنها طريقة سهلة، هادفة، مريحة، يسيرة.
ما الذي يفعله الناس؟
- سلام عليكم.
ويسكت!
- سلام عليكم عامل إيه؟
ويسكت!
- أريد استشارتك في شيء.
ويسكت!
- سلام عليكم عندي مشكلة حياة أو موت.
ويسكت!
- بالله عليك أرسل رقم تليفونك حالاً أحتاجك في مشكلة.
وتسكت!
- سلام عليكم، هو ينفع أسألك سؤال؟
وتسكت!
- عامل إيه؟ هو ينفع اكتب لك موضوع كده؟
ويسكت!
- سلام عليكم يا شيخنا الفاضل.
ويسكت!
- كنت عاوز أقولك على موضوع يا شيخنا/ أستاذنا.
ويسكت!
- أريد أن أخبرك بأمر مهم، حياة أو موت أقسم بالله.
ويسكت!
- .
نعم يرسل (.) وينظر هل سترد على النقطة أم لا !!
كل هذه البدايات في التواصل = خاطئة وباطلة، ويزداد الخطأ فداحة مع من لا يتواصل على الخاص.
لأنه إنْ أجابك = فقد فتح الباب دون مستند!
ماهو لما تقول: عاوز أسألك سؤال = فأنت سألت!
فالأولَى: كتابة السؤال نفسه بدلاً من هذه المناهدة!
+ لو أجاب = فهو دليل أنه يتواصل، فكيفَ يكتبُ أنه لا يتواصل؟! جَر رِجْل للزبون مثلا!!
بعكس ما لو كتبتَ المشكلة، فأنتَ حينها وضعتَ مبررًا له إنْ قرَّر الرد بأنه وجدَ الأمر خطيرًا، ولو وجدَ الأمر لا يستحق فلن يرد.
+ عدم كتابة السؤال سيجعله يرد على رسائل لا قيمة لها من وجهة نظره، أو لا يقدر على التدخل فيها، خاصة لو كان يأتيه رسائل كثيرة.
العجيب: الأخ يستمر في المحاولة بالطريقة نفسها!
بمعنى: يقول: سلام عليكم ثاني وثالث ورابع!
أخي: هلَّا حاولت أن تغير طريقة التواصل فلعل عندك خطأ؟
مرَّات يقول أخ أو أخت: انظر الخاص ضروري جدًا كتبت لك مشكلة = فأنظرُ في الخاص فأجده/ـا يقول: (عندي مشكلة)!
هل تخيلت التقاعس؟
هو كتب على الخاص: سلام عليكم عندي مشكلة، فلمَّا لم أُجِـبْـهُ ذهب على العام يقول: انظر في الخاص لمشكلتي.
- طيب أين مشكلتك يا حبيبي؟
= عندما ترد عليَّ أولاً -لست ساذجا لأكتب لك ثم لا ترد-!
----------------
- ماذا تريد يا أحمد! لم نفهم مشكلة الأخ؟!
= أريد أن أقول: السبب العميق جدا في عدم المبادرة بكتابة المشكلة هو:
خشية أن يُهدر الجهد ولا يرد المستشار.
بمعنى: أخونا -أو أختنا- يمر بمشكلة.. لكن في الوقت نفسه: يحب المرقعة وعدم التضحة وبذل جهد مهدور في سبيل حل مشكلته!
أقصد: يَضِنُّ أن يكتبَ لك مشكلته ثم لا تجيبه! لأن الكتابة قد تستغرق 10-20 دقيقة مثلا، فهو لا يريد بذلها من أجل حل مشكلته ثم يضيع هذا المجهود هدرًا ولا ترد!
- فما بالك لو طلبت منه بذل 4 أيام لحل مشكلته ومن المحتمل أنْ لا تُحل؟
- أو بذل 10 آلاف في حل مشكلته ومن المحتمل هدرهم؟
= بالتأكيد سيرفض ويقول: قد لا يوافق المظلوم بعد كل هذا الوقت وهذا الإنفاق.
- ألا ترى أنه بتلك العقلية لن تحل مشكلته؟
= نعم صحيح، مثل هذا حتى لو أجبته = فلن تحل مشكلته، فمشكلته عقلية ونفسية بالمقام الأول قبل أن تكون واقعية حسية!
فالأخ -أو الأخت- لا يريد بذل أي شيء للمشكلة إلا وهو يضمن أنه سيأتي بنتيجة 100٪ وإلا فلن يجرب ولن يجازف!
وعليه: فهؤلاء لا يتقدمون في حياتهم عامة، ولا في المشكلات خاصة!
والله أعلم.
#قطوف_في_الخصومات

