قال لي طالب حديث: دُلَّني على أفضل كتاب قرأتَه.

فقلت: إن أفضل الكتب التي يقرأها طالب الحديث هي الكتب التي تحثه على الإخلاص والتقوى والورع، واللِّين للإخوان، والزهد في الدنيا، ومرعاة الألفاظ والنوايا.

فما رأينا مِن كوراث للإخوة كـ تربصات وانتقادات تافهة وأقوال سخيفة إلا بعد أن أهملنا هذا الجانب، ولك أن تتخيل أن يقول الفضيل بن عياض: (مهلاً يا أصحاب الحديث لا تكونوا هكذا)! إذا كان هذا في زمن الفضيل!!

إن علم الحديث يَجرُّ طالبَه إلى الرياء، لأسباب منها:

- لِقلة المدركين له؛ فيشعر بالتميز.

- سعة اطلاع طالب الحديث تجره للرياء.

تجد الأخ يعزو للمصادر رياءً من دون حاجة ليوهم مَن أمامه باطلاعه، ويُغرب على إخوانه بالمسائل، ويتربص لأخطائهم، حتى إنه إذا سمع منهم فإنما يسمع لينتقد! وقد اشتُهِرَ بهذا!!

تجد المسكين غليظاً على إخوانه وجيرانه، دائماً يسفههم ويحقر من أعمالهم، حتى ولو لم ينطق، يكفي أنه يرى نفسه فوقهم.

طامة كبرى أن تجد طالب الحديث يغار من إخوانه، فيبخل عن أن يَدُلَّهم على محاضرات للمحدث فلان حتى لا يتعلموا هذه الدقائق التي يستغلها في التبجح عليهم وسينكشف المستور، إنه يريد دائماً أن ينظر إليه الإخوة أنه مجتهد ذكي فَطِن دقيق نحرير، يُحب أن يُثنَى عليه وعلى مجهوداته، على الرغم من أنه لا يثنِي على مجهودات غيره!!

يُشْعِرُ الإخوةَ بصعوبة العلم الذي يمارسه، يخبرهم أنَّ ما وصل إليه لم يكن سهلاً.

إنَّ أفضل ما يعتني به طالب الحديث أن يتخلَّص من التبجح بأنه على علاقة بالشيخ فلان والأخ فلان، ويفرح إذا دخل مع بعض إخوانه على شيخ كبير فيعرفه الشيخ، حتى يخرج الأخ الآخر ليتكلم بما حَدَث!! حتى هو نفسه قد يُهَيِّجه على هذا بقوله: أرأيت؟ ألم أقل لك؟

لا ينبغي أن يتبجح بأنه دقيق في شراء الكتب ولا يملك إلا أجود الطبعات.

وصل ببعض الإخوة أنهم يتبجحون بعلاقات الفيس!!

المحدث فلان يعرفني، على فكرة معي هاتفه، على فكرة بينا محادثات مثمرة!!

إن أفضل ما ينبغي لطالب الحديث أن يكون منكسرا ذليلاً مطيعاً، يعمل بما يقرأ ويحقق.

فينبغي الاهتمام بكتب تزكية معاصرة ككتب الشيخ يعقوب، فمثلا (الإخوة أيها الإخوة) يتعلم منه كيف يسامح إخوانه، وكيف يرفق بهم، وكيف يحسن الظن بهم، وكيف يحب لهم ما يحب لنفسه، وكتاب (التخلص من رواسب الجاهلية) ليتخلص من إضاعته للأوقات، ويتخلص من الشدة في الخلاف، وليتخلص من الغلو والتفريط، حتى يلتزم بمواعيده وعهوده فلا يسرق كتب إخوانه، حتى يتخلص من الفضول، حتى يتخلص من حب الشهرة وأن يُعجَبَ به الناسُ عامة والأخوات خاصة! حتى لا يتشبع بما لم يعط.

أحب أن يقرأ سبائك الذهب في آفات الطلب لأبي العنين، ويقرأ حلية طالب العلم، ويقرأ صفحات من صبر العلماء، ثم يرتقي لكتب المتقدمين كـ مقدمة الدارمي، والعلم لأبي خيثمة، والعلم والحلم لآدم بن أبي إياس، والعلم لابن عبد البر، والزهد لأحمد وأبي داوود ووكيع وابن المبارك، ينبغي أن يقرأ هذه الكتب جنباً إلى جنب مع كتب العلل والتخريج والتواريخ حتى ينكسر ويخشع.

ولْتَعلَم أن هذا سيكون أكبر العون للطالب على فهم العلل وتحرير التراجم ودقائق الفهم، لأنه يعمل لله، يتعلم ليعمل، يتعلم ليرضي الله، فلن يخيبه الله.

ما تنتظر من طالب يقرأ كل كتب العلل ليُقال مُطَّلع؟

والله إن الطالب المخلص الصادق لينتفع بكتاب واحد في العلل بأعظم مما ينتفع به هذا التائه من قراءة 10 كتب في العلل.

إننا يا أخي الكريم نحيا بين طلاب حديث قد تستحيي أن تقف معهم أو تنتسب لهم لسوء ألفاظهم أو معاملاتهم.

جرب أن تعامل هذا المحدث (زعم) في أمور مالية؟ سينكشف لك فضائح، أنظر إلى تعامله مع زوجته وأبنائه وجيرانه وإخوته وأصدقائه، انظر إلى مناقشاته ومناظراته.

أخي الحبيب: أقرأ صحيح البخاري مع كتابٍ في الرقائق،

إقرأ في علل الدارقطني واجردها جنباً إلى جنب مع كتاب في آفات الطلب، إقرأ التورايخ والسؤالات الحديثية جنباً إلى جنب مع كتب في الإخلاص.

أخي الحبيب: لم يَعُد الأمر يحتمل كل هذه الجاهليات التي يفعلها أفضل الناس -وهم طلاب الحديث-، والله على ما هم فيه إلا أن الخير فيهم أشد من غيرهم.

والله أعلم.

#سُئلت هذا منذ فترة، ولكن حدثني هذا الأخ اليوم فرأيت نصيحتي له، فنشرتها لأحث نفسي أولاً لِأعمل بها ثم نصيحة لإخواني.