قال ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة: صاحبة موسى حين قالت: {اسْتَأْجِرْهُ}...
أخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة.
قلتُ: ما حدث بين الرجل الصالح وابنته = من أرقى المناقشات التي يُمكن أن تدور بين أبٍ وابنته، ويبدو أن هذا الرجل قد عَوَّد بناته الوصول لمبتغاهن والتعبير عن أنفسهن بأقل عبارة وأخصرها.
يُؤخذ منه:
- أجمل ما بالرجل تحبه المرأة السَّوية أن يكون أمينًا وقويًّا -والقوة كلمة كبيرة عامة تشمل القوة البدنية والعقلية والنفسية والإيمانية والعلمية- وكل هذا وزيادة كان مجتمعًا في موسى ﷺ، وعرفته الفتاة من خلال رؤيته وحديثه.
- المرأة كما تعجبها الصفات الداخلية، كذلك تعجبها في الرجل الصفات الخارجية.
- المرأة السَّوية لا تقرر الارتباط برجل لمجرد مظهر خارجي أعجبها، وإنما عليها معرفة باطنه؛ فالفتاة لمَّحت لأبيها بعدما سمعت قصة موسى وفهمت نقاءه الداخلي أيضًا.
- جواز التلميح من البنت بطلب الزواج من رجل بعينه.
- الأفضل للفتاة أن تخبر وليَّها ليعرضها على مَن تميل نفسها إليه، ولا تذهب هي بنفسها له.
- فطنة الأب النبيه الذي يُقدِّر مشاعر ابنته واحتياجها العاطفي، وما قد يقع في قلبها لرجل، والرغبة في إقامة أسرة معه.
- عدم إحراج البنت بالتصريح بالرغبة، والاكتفاء بذكاء الأب ليأخذ قرار تزويجها.
- فطرة البنت تأبى عليها التصريح بالرغبة في الزواج، بل تأبى الموافقة تصريحًا -[إذنُها صُماتُها]- وأنه كلما عجَّلنا بتزويج الفتاة كان أقرب للحفاظ على هذه التصرفات النقية.
فكسر هذه الفطرة إما ناشئ عن سوء تربية جرأت البنت، وإما عن تأخير للزواج عن ميعاده فاضطرت أن تتكلم.
- على الأب أن يزوِّج ابنته للرجل الذي تحبه وتميل إليه ولو كان فقيرًا؛ فالمرأة المحبة تتحمل مع زوجها المشاق ولا تبالي، في حين لا تتحمل زوجها البغيض إليها ولو كان ثريًّا.
وعليه: لو أنَّ الأب ساعد زوج ابنته الفقير الصالح التقي على المعيشة بالمال = خيرٌ من أن يزوج ابنته لثري تبغضه.
هذا لأن موسى ﷺ لم يكن معه أي مال، وكان المهر أن يستأجره الرجل الصالح ويقوم على شؤونهم عامة لـمدة 8 سنين، فيريح البنات ويجعلهن في البيت فلا يخرجن.
إذن أين المال الذي سيجنيه موسى لينفق على زوجته؟
فظني -والله أعلم- أن موسى دخل معهم وعاش فيهم كأنه ابن الرجل؛ يأكلون ويشربون جميعًا أُسرةً واحدة، فالرجل الصالح كان ينفق على البنتين على كل حال، وزيادة الإنفاق على موسى لن تضيره شيئًا مقابل راحة البنات.
فلو تدبرت الأمر، لوجدت الرجل الصالح كان في غاية اللطف مع موسى ولم يشقّ عليه في شيء، وأن السنوات التي جلسها موسى مع صهره كان كلاهما ينتفعان ببعضهما ويتسامحان مع بعضهما؛ هذا بالقوة والحركة، وذاك بالمال.
وكأن المهر كان تقييد حركة موسى ﷺ فقط، لا العمل في ذاته.
لهذا بَوَّب البخاري على هذه الآية فقال: مَن استأجر أجيرًا فبين له الأجل ولم يبين له العمل.
من الآخر: (الرجل قال له: تزوَّجِ الفتاةَ بشرط أن تجلس معنا 8 سنوات، والأرزاق على الله يا بني) فهمتني؟
ووَفَّى الرجلُ الصالح بوعده؛ فوجده موسى من الصالحين، وجلس موسى ﷺ معه الـ10 سنين كاملة؛ إذ هو اللائق بتصرفات الأنبياء، وقد جاء صريحًا في الأثر عن ابن عباس.
وهذا يبيِّن لك فساد مَن يستدل بهذه القصة على المبالغة في المهور، وأن المهر لا مانع من أن يكلف الخاطب 10 سنين من العمل الشاق!
إنما يُنتَزَعُ من هذه القصة أمرٌ آخرُ في المهر سأذكره مرة أخرى إن شاء الله.
#قطوف_حول_الأصهار
#قطوف_حول_الخطبة
#قطوف_حول_الأبناء

