أرى الاكتئاب كالعشق، كان في أوله بيَد صاحبه ثم تمادى مستروحًا فأُفلِتَ منه.

لم أصدق يوما العشق من أول نظرة، بَلْه الحب من أول نظرة.

أرى أن العاشقة مَرت بمراحل كثيرة أولا، لا أنها رأت رجلا فعشقته وتشعر بالموت لو لم تحتضنه!

فالحقيقة والواقع أن الأخت أعجبت بالرجل، فلا تزال تراقبه أو تتابعه أو تسمعه وتفكر فيه ذهابا وإيابا متخيلة يومها كله في أحضانه أو بين يديه!

مسكينة كثيرة التخيل أنها تعد طعاما شهيا فيأتي ويحتضنها! فلا تزال تفكر وتسرف وتتمادى حتى يتغلغل في قلبها، وبدلا من أن كان إعجابا به، يصير الأمر اشتهاءً، فتمكنًا، فسطوةً على قلبها، ثم لا تنساه بقية حياتها.

كذب مَن قال: عشقتُ من أول نظرة!

ولو أني تمكنت من هؤلاء لصفعتهم صفعة تفيقهم من كذبهم، كذابون هؤلاء العشاق.

إنما رأى الشابُ فتاةً أعجبته ملامحها أو شخصيتها، فاشتهاها ثم تمنَّاها فلا تزال تتراقص أمام عينيه حتى تمكنت من قلبه فلا يقدر إلا على رؤيتها أو الهيام بها.

مسكين لا يزال يحلم ويتمنى ويشتهي ويثار حتى أنه يتذكرها بعد 50 سنة!

ثم يزداد الأمر سوءًا بين العشاق أو المعجبين أن يكون الآخر أمامهم -واقع أو مواقع- لا يزالون في خدعة ولا يعلمون أن الآخر ربما لا يشعر بهم، أمّا إن كان الآخر يشعر ويبادل بابتسامة أو ظُرف ولُطف = فقد لا نقدر على سرعة التمكن في القلب.

أريد أن أقول: التخلص من الأمر في أوله سهل ميسور، فما إنْ يطرأ الإعجاب أو الميول فيدفعه صاحبه عن نفسه ويقطع الحبل عن ذلك، ويعلم أن هذا الطريق نهايته غير صائبة -دينيا أو دنيويا- فإنه سيفلح، لكن للأسف يظن أن الأمر تحت السيطرة، وأنه يمكنه التوقف متى شاء، لكن الحقيقة أن التوقف لا بد وأن يكون مبكرا قبل أن ينفسخ عزمه وينهار فلا يتمالك بعدها ويخرج الأمر عن السيطرة، بل ربما لا يتم العلاج أبدًا.

أقصد: جاء العشق بسبب التمادي والاستسلام لتصرفات وأفكار غير صحيحة، وقد كان يجب أخذ خطوات قوية من أول وهلة.

أيها العشاق: أنتم آثمون بما فعلتم في أنفسكم.

- لقد نسيتَ الاكتئاب يا أحمد

= أقول: الاكتئاب كذلك لا يطرأ على القلب دَفعة واحدة.

أقصد: لا يمكن أن يكون الرجل -أو المرأة- سعيدًا متزنا نشيطا، حياته مستقرة جدا، غير متألم نفسيا من أي شيء، ثم يدخل مطعم أسماك فيطلب 2 بُوري سنجاري على الفحم ثم يخرج مكتئبًا منهارا إلى طبيب مخ وأعصاب واستشاري نَفسي ويأخذ مهدئات!

هذا مما لا يكون، بل لا يُتَصور.

إنما جاء الاكتئاب وكثُر بسبب التربية الخطأ، والتصورات الخطأ، والنفوس المهيأة لهذا الانفساخ، مع إيمان هَش عادة، فلما اجتمع هذا أو بعضه -قوة وضعفا- = تمادى صاحبنا فانهار.

أقصد: لا أنكر على أختنا المكتئبة أن أباها ظلمها، ولست أنكر أنها تعرضت لمواقف كثيرة عصيبة في حياتها، ولكنها انفسخ عزمها بعد 8 سنوات.

بمعنى: أساء إليها أبوها أو أمها أو زوجها، فلم تتصرف تصرفا صحيحا دينيا أو عقليا وفكريا، فلم تزل تُبَكِّتَ نفسها ثم تندب حظها ثم تتسخط على قدر ربها -ولو باطنا- ثم تنهار.

بل ربما كان تصرف أبيها أو زوجها عاديا أو محتملا، ولكنها استعظمت الفعل فَعَظُم!

أقصد: لم ينفسخ عزم الأخت لإساءة واحدة، وإنما وقع عليها مرات، فهوَّلت من واقعها بسوء فهم، وظلت تنظر لحياة أخرى بدون واقعية، ثم أكثرت من لوم نفسها، حتى يصل الأمر بقلبها أن يعترض على القدر، ثم تنهار!!

ولو أن الأخت منذ البداية أثناء تماسكها نظرت أن هذا ابتلاء، ويجب أن تتحمل، وأن الدنيا دار كَدَر، وأن الصبر يعقبه جنات ونَهَر = لأفلحت.

ترى أخانا محطما، مع أنه قبل 4 سنوات كان متماسكا، ولو أنه ابتعد عن تلك البيئة وسافر أو لو علم أن هؤلاء لا يستحقون منه هذا التألم أو أنه يهول من البلاء وهناك أمور يجب أن تُفهم بعكس ما يتوهم = لأفلح.

ثم إن كثيرا من الأزمات والجراح التي تكون من الناس تحتاج أن يتجاوزها العبد ولا يلْقِي لها بالا ولا يعيش أسيرًا لتلك الإساءة.

بعض المجروحين لا يفكر إلا في الجرح وفقط! ولو أنه استهان بعقل المتكلم وقَدْر كلامه ومكانته، ثم نظر أنه يجب أن لا يعير عقل هذا الفاعل هذا الاهتمام = لكان خيرا.

المشكلة: بعض الناس يعجبهم العيش في هذا الألم أول الأمر.

أقصد: يعجبه أنه ضحية مظلوم وأن مَن حوله هم السبب فيما هو فيه، لأنه إذا قال أنه السبب = سيتلزم منه الجهد والعمل، فيستروح لإلقاء المسؤولية على مَن حوله، أو القدر، ولا يدرك أن حلاوة ذلك الشعور -في التملُّص- يشبه حلاوة الحب في أوله، ثم لاحقا لن يقدر على الخَلاص من ذاك الشعور، بل سيعظُم ويتضرر بما لا يقدر على دفعه!

ووالله إني لأخشى أنه يأثم لتماديه متفكرًا في الشر.

أريد أن أقول: العامل النفسي -في تصور المسائل وإعطاء كل ذي قدر قدره وكل مسألة مكانها = حاسم.

فإذا ما تم تتويج ذلك بالرضا بقضاء الله واستشعار أن هذا البلاء بذنبي = ذهبَ كل الهَم إن شاء الله.

أقصد: من التصرفات الصحيحة: الرضا ممزوجا بأمل + لوم النفس + الصبر = مريح للصدر.

فمثلا: لو أن "قريبا" أساء إليك، فما ينبغي أن تستحضره:

1- الحمد لله، إنْ كان اللهُ مَنعَ فَلَكَم أعطى، فإن كان أحدهم سيئا فهناك أقارب جيدين، أو عوَّض في أصحاب أو جيران.

2- أنا كثير الذنوب، فيا رب اغفر لي، فإنَّ إذاء أهلي/أقاربي/أصهاري/حرماني من النعمة الفلانية/ابتلائي بمرض ما.. إنما كنت أستحق أكثر منه، ولكنك لطيف يا رب، كم لطفت بي.

إنْ كُنت فقيرا فإن نعمك الأخرى لا تحصى، وإن كنتُ مريضا فلستُ ناسيا معافاتك، والله يا رب لا أستحق أي نعمة لتقصيري في حقك، فأنتَ المنان أعطيتني أكثر مما أستحق.

قال ابن القيم:

طوبى لمن لَا يرى ربّهُ إلاّ مُحسِنًا، وَلَا يرى نَفسه إِلَّا مسيئًا أَو مُفَرِّطًا أَو مُقَصِّرًا، فَيرى كل مَا يسرُّه من فضل ربّهِ عَلَيْهِ وإحسانهِ إِلَيْهِ، وكل مَا يسوءُهُ من ذنُوبهِ وَعدل الله فِيهِ.

3- الدنيا دار بلاء، فاصبر واحتسب، فإنك إن لم تصبر فلن يكون إلا ما قدره الله، فاصبر راضيا بدلا من أن تصبر مقهورًا

4- تنظر في التصرفات المتاحة والممكنة مع هذا البلاء، واعتبر بمن هم أشد منك بلاءً.

لكن ما يحدث: أن الله يبتلي رجلا أو امرأة بأهل غير جيدين، أو بفقر، أو بمرض، أو بنكد وغم، أو بعاهة أو بفقدان نعمة أو بتأخرها... إلخ.

فلا يزال المبتَلَى يستعظم الألم فيَعظُم، فيتحرك تحركات غير صحيحة، فيُرَد عليه بتحركات غير جيدة ممن حوله، فيزداد انهيارا وشعورا بالبلاء!!

أقصد: قد يكون حقيقة البلاء ليس عظيما جدا، ولكن لهشاشته لا يزال يستعظمه ويضخمه حتى يعظُم، بل يصل الأمر أنه لا يرى أي شيء في الدنيا إلا هذا الابتلاء.

فيظن أنه لولا أباه لكانت حياته أفضل، أو لو لم يكن مريضا لكان حياته من أنْعَم ما يكون، ولا يدري المسكين أن ملايين الفقراء أو المرضى بأشد منه أو المصابين أو أو ولا يشعرون باكتئاب لتماسكهم النفسي ورضاهم عن الله، فيَحيَون بسعادة.

مسكينة تكاد تقتل نفسها غماً لأنها لم تتزوج! أو لأن أباها يناكدها أو لأن زوجها طلقها!!

أختنا: هل تعرفين عدد المطلقات عبر التاريخ؟ أو عدد مَن لم يتزوجن؟ أو عدد مَن أساء إليهن آباؤهن؟ = بالمليارات أختنا لا الملايين، لكنهن صمَدن ورضين بما قسمه الله وعلمن أن هذا ليس نهاية الدنيا.

قال الرازي:

العهد المأخوذ عليك ليس إلا عهد الخدمة والعبودية، والعهد الذي التزمه الله تعالى من جهته ليس إلا عهد الرحمة والربوبية، ثم إن العاقل إذا تأمل في حال هذه المعاهدة لم يجد من نفسه إلا نقض هذا العهد، ومن ربه إلا الوفاء بالعهد، تُسَلم إلى الله طاعةً ناقصة، فيسلم إليك جنةً خالصة.

أقول: إن الدنيا قصيرة لا تستحق كل ذاك الألم النفسي، إن الفردوس تُعطى لمن صبر وغفر.

أقصد: إذا استحضرت أنك في الفردوس تلقى الله كل جمعة تنظر إلى وجهه الكريم، وأنك ستتكلم مع النبيين وأصحابهم في جنة أبد الآبدين مقابل أن تصبر وتحتسب وتتوب وتستغفر ما بقي من حياتك 20-40 سنة = علمت أن هذا البلاء -ولو كان أكثر لكان- هينا.

أخي: هل تعلم أن أهل البلاء يودون يوم القيامة لو زاد بلاءهم من عِظم ما يرون من النعيم والجمال؟

ألا تستحق رؤية الله أن تصبر تلك الأيام بنفس راضية لا تهوِّل فيها من البلاء وتتصرف تصرفات صحيحة بنفس راضية؟

ألا تستحق رؤية وجه الله أن تنتبه إليه ولا تلتفت إلى تلك المشكلات الصغيرة؟

أختنا: لا تلتفتِ إلا إلى ربك، وإياك من التسخط -المبطن- عليه.

-----------------

هذا لإخواننا المتماسكين، أما مَن انفسخ عزمهم، فإني أهيب بمن حولهم لِأَن يتدخلوا تدخلات صحيحة لإنقاذهم.

والله أعلم.

#قطوف_في_النفوس_السوية

تعليقات وإضافات صاحب المقال2

النفس السوية لا تحمل نفسها فوق طاقتها فتنهار أو تكتئب أو تنتحر.

🔗مقال على فيسبوك

الاكتئاب جراء ضغط الآخرين.

🔗مقال على فيسبوك

هل ينتحر مَن يملك نفسا سوية؟

🔗مقال على فيسبوك

الاشتهاء العابر كيف يتحول لدائم لدى المرأة والرجل.

📄- الاشتهاء العابر والدائم لدى المرأة والرجل.

الهشاشة النفسية عصفت بالجميع

📄- الهشاشة النفسية عصفت بالجميع.

الهشاشة النفسية أحد أركان التورط في الفتن

📄- الهشاشة النفسية أحد أركان التورط في الفتن.

طبعا لو هناك حالات طبية ما.. لها استثناء أو ابتلاء قدري ما.. فإنها لا يشمل كلامي بالتأكيد.

إنما قصدت حالات ما.. كثيرة بالمئات شاهدتها وعاينتها أو بلغتني وكان علاجها أول الأمر عقليا يحتاج لنظرة صحيحة.

وظني أن هذا هو الأكثر المعاصر بسبب الهشاشة السائدة، فلم يكن الاكتئاب كثيرا في الماضي بسبب حسن التربية وحسن التصور وصحة الانطلاقات.

والله أعلم.