العفو قبل عرفة - بين الإفراط والتفريط -

قلت: نال المسامحة والعفو من التشويه والأخطاء ما نال بقية الأعمال الصالحة والدينية.

فما بَين قوم لا يعفون، وبين قوم يطلبون عفوا ما خطر على بال مَن قبلنا، وكلاهما خطأ.

ندخل في الموضوع:

العفوُ صفةٌ يتصف بها ربنا سبحانه وتعالى، وحَثَّ عباده على العفو.

ولكن أخطأ فيه الناس بالتفريط فأضاعوا أمر ربهم، وأفرط بعضهم ففعلوا ما أهانوا به أنفسهم، أو يطلبون عفوا زائدا فوق الحاجة فيشق على الناس فنرجع للتفريط!!

حَثَّ الله عباده على العفو مع المسلمين فقال:

{خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ}

وحث على العفو مع مَن ستنقطع صلتك بهم فقال :

{فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إلّا أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ}

بل العفو مع المشركين غير المقاتلين فقال:

﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِن بَعْدِ إيمانِكُمْ كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾

وغيرها الكثير

أقول: إن إيذاء الناس لك أمر كبير خطير = يضر بك، وبأهلك، ونفسك ومزاجك، وعملك، يضر بك ضررا كبيرا، وتحمل غيظاً عظيماً.

كم مرة شعرت بمشاعر لم تكن تتخيلها أبدآ؟ كم مرة بكيت؟ كم مرة تمنيت فعل أشياء لتنتصر لنفسك؟ كم مرة تمنيت هلاك من أذاك؟ كم مرة قمت بأذاه فعلا؟

حقا إن الظلم ثقيل على النفس، لا يتحمله أحد، لهذا حرم الله الظلم بين عباده، بل وعلى نفسه، فلم يُحِل الظلم أبداً في موضعٍ من المواضع ، لِمَا يترك من آثار نفسية عظيمة.

ولأن المظلومَ مبتلىً ابتلاءً عظيماً، وعده اللهُ بالنصر على الظالمين، أياً ما كان هذا المظلوم، أو هذا الظالم، الله هو الحق ويحب الحق.

ولكن مع علم الله بمظلومية المظلوم ووعدِه له بالنصر،

وعده وعدا آخر، فيه صلاح للمجتمع، ألا وهو العفو والمغفرة.

نعم العفو والمغفرة فيه صلاح للمجتمع.

قل لي: كيف يحيى مجتمع أو مدينة أو أسرة تعيش على الانتقام من بعضها؟!

- ولأن الأمر ثقيل على النفس شديد عصيب ليس بالهين (والكل سيقول: نفسي نفسي، لِمَ أتحمل أنا الظلم ولا أنتقم؟).

= تكلمَ اللهُ صراحةََ عن تحمل الأذى من الناس، فلا تحتمل هذه العبادة الجليلة أن تدخل تحتَ أوامرٍ عامةٍ فحسب، بل أفردَ اللهُ لها ذِكرًا، ووعد عباده الصابرين العافين عن الناس وعدًا عظيما، لعِلم الله بمشقة الأمر، فقال:

{فمن عفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى الله}.

بل ما وجدتُ ربنا وصف عبادةً بأنها من عزم الأمور، إلا عبادة الصبر والمغفرة عن الناس.

فقال عز وعلا :

﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾

وقال سبحانه على لسان لقمان لابنه:

﴿واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ}

مما يبين لك أهمية أمر الصبر على الأذى عند القوم الصالحين.

بل كانت صفة لازمة للأنبياء

فقال سبحانه موصيًا نبيه بتحمل الأذى والصبر:

{فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}

فرحم الله رجلاً -أو امرأة- عفى عن مظلمته

السؤال الشائك الذي بسببه ضاع أمر العفو في عصرنا:

- هل معنى أن أصبر على مَن أذاني وظلمني وأعفو عنه، أن ترجع العلاقة بيننا كما كانت؟

= الإجابة : لا

غير مطلوب منك ذلك، بل هذا محض مصلحة لك إنْ أردت.

فإن العفو = هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه.

(النهاية 3/265 لابن الأثير)

- سؤال: هل يجوز أن أعفو عن صديقي أو جاري أو قريبي وأحصل على الأجر، من دون أن نرجع كما كنا؟.

=نعم، تحصل على الأجر كاملا.

- سؤال: هل الأفضل والأكثر ثوابًا أن ترجع العلاقة كما كانت؟

= لا ليس الأفضل باطلاق ولا الأسوأ باطلاق.

- سؤال: هل أمرني الله بأن ترجع العلاقة كما كانت؟

= قلت: لأ

هذا يرجع إلى نظرك، هل في العودة خير، فترجع ويزداد الخير والأجر، كما في قصة أبي بكر ومسطح، إذ كانت العلاقة بينهما تدور بين المُتصدق الكريم أبي بكر، والمُتَصَدَّق عليه الفقير مسطح رضي الله عنهما - فلما خاض مسطح في حادثة الإفك، قطع أبو بكر علاقته به -

فقال الله: {ولا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنكُمْ والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

-مع مراعاة أن في هذه القصة تاب الظالم وما كان ليعود لظلمه أبدًا-

أو هل في العودة أذىً لك؟ = فلا تفعل.

وهو يشبه قصة النبي ﷺ مع وَحشي، ولأن العقل والغريزة الفطرية تأبى الرجوع لمن تعلم أنه لو تمكن لأساء مرة أخرى.

يوجد بعض الناس قذرة حقيرة، الظلم والاعتداء يجري في دماءهم، فإذا ابتعدت عن أذاهم؛ أتاك سفهاء القوم الذين لا يعقلون، يقولون لك: [عاوزين الدنيا ترجع زي زمان والمياه لمجاريها]!! كيف تريد أن ترجعَ النجاسة إلى المياه النظيفة أيها الأحمق؟

يكفي أن المظلوم عفى عن مظلمته في الدنيا بترك الانتقام، وفي الآخرة بترك الجزاء.

إنهم يطلبون من المظلوم عفوا ما طلبه الله، ويُذَكِّرون بعفوٍ ما عرفه الناس وما عرفته العرب.

فما هو العفو عندهم؟

العفو = التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه -كما سبق-.

ومن معانيه: الفَضْلُ الَّذِي يجيءُ بغير كُلْفَةٍ

(تهذيب اللغة 3/141 للأزهري)

ونحوه قيل في الصفح:

وأنه هو: التجاوز عن الذنب من قولك صفحت الورقة إذا تجاوزتها وقيل هو ترك مؤاخذة المذنب بالذنب.

(معجم الفروق اللغوية 1/387 للعسكري)

وما هو السماح؟

هو: إذا جادَ وأعطى عَنْ كَرَمٍ وسَخاءٍ، وأسْمَح وسامَحَ: وافَقَ عَلى المَطْلُوبِ

(تاج العروس 6/484 للزبيدي)

وهذا الذي ما طَلَبَه الله من عباده ولا أمرهم به = كان سبباً في التفريط لأمر الله بترك العفو جملة.

فلا تفريط بترك العفو، ولا إفراط بتحميل الناس فوق طاقتهم.

والله أعلم.

#قطوف_في_الخصومات

#قطوف_حول_الأخلاق

تعليقات وإضافات صاحب المقال1

- حَثَّ اللهُ المظلومَ أن يسامح الظالم ما دام يستطيع، كي لا تستفحل الأمور.

📄- حَثَّ اللهُ المظلومَ أن يسامح الظالم ما دام يستطيع، كي لا تستفحل الأمور.

- العناد في الخصومات قد يهلك النفس والمال.

📄- العناد في الخصومات قد يهلك النفس والمال.

- العفو -بين الإفراط والتفريط-. — قطوف في الخصومات