ألا يمكن أن يكون بين الرجل والمرأة صداقة ومحبة وخلوة، ولا يحدث بينهما محرم 🤔.
أقصد: لماذا لا يكون بين الرجال والنساء علاقات صداقة ومحبة كما بين الرجال وبعضهم بعض، والنساء وبعضهن بعض 🤔.
- وهل يمكن أن يتحقق ذلك بالأخلاق العالية عندهما؟
فيكون بينهما صداقة ومحبة ونجدة ومزاحًا وخلوة، دون التورط في خطأ؟
= هذا محال.
إنَّ خَلْقَ الله للجنسين = لا يَرد فيه هذا الاحتمال.
فمجرد اللقاء العابر يجعلهما لا يسيطران على نفسيهما.
قال ابن حزم:
ما رأيت قط امرأة في مكان تحس أن رجلًا يراها أو يسمع حسها = إلا وأحدثت حركة فاضلة كانت بمعزل، وأتت بكلام زائد كانت عنه في غنية، مخالفين لكلامها وحركتها قبل ذلك؛ ورأيت التهمم لمخارج لفظها وهيئة تقلبها لائحًا فيها ظاهرًا عليها لا خفاء به؛ والرجال كذلك إذا أحسوا بالنساء. طوق الحمامة صـ272
قلت: لهذا جاءت الشريعة بفصل الجنسين بعضهما عن بعض قدر الإمكان.
حتى في أماكن العبادة، الصلاة والحج والعيد.. إلخ، فبالرغم من اجتماع الرجال والنساء في مكان واحد، إلا أن النبي ﷺ كان يجعل بينهما فواصلَ وحدودا بحسب المتاح والممكن تطبيقه.
بل حتى في الاختلاط العفوي في الطرقات: نصح النبي ﷺ النساء بالالتزام بحافات الطريق. أخرجه أبو داوود.
هذا في الاختلاط العابر العفوي أو الضروري = كان له ضوابط تقدر بقدرها بما يمكن تطبيقه ولا يجعل الناس في عجز عن تطبيقه واقعيًا.
- فصلاة النساء بالمسجد خلف الرجال، أو انفصالهن في صلاة العيد، أو طوافهن خلف الحجاج، أو المشي بحواف الطرق = مما يمكن تطبيقه.
فالاختلاط العابر والسريع أمام الناس = سمح به الشرع مع ضوابط لذلك.
أما ما يتعلق بالخلوة = فقد أخذ الشرع منحى آخر تماما، فلم يسمح بالخلوة أبدًا، وشدد فيها أيما تشديد، ولم يتهاون فيها أو يضع استثناءَات أو تقييدات يُمكِن فعلها، ليخلو الرجل بالمرأة بعدها.
إنما جاء الشرع بمنع الخلوة جملة وتفصيلا.
قال النبي ﷺ: إياكم والدخول على النساء. أخرجه الشيخان.
- ولو كان الحمو = فكذلك ممنوع.
- لماذا هذا التشديد والصرامة في الخلوة تحديدا؟
= نرجع لسؤالنا: ألا يمكن أن يكون بين الرجل والمرأة صداقة ومحبة وخلوة، ولا يحدث بينهم محرما 🤔.
قلت: إذا خلا الرجل بالمرأة = تحركت شهوة كل واحد منهما نحو الآخر.
قال النبي ﷺ: أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا. أخرجه أحمد
فبمجرد الخلوة = سيكون الشيطان حاضرًا لكليهما يؤزه على الآخر ويهيجه عليه.
ولعل فعل الشيطان هذا هو ما حملَ أبو سعيد الخدري على أن يقول:
ما خلا رجل بامرأة إلا دعا كل عضو منها، عضو منه.
أخرجه الكديمي في جزئه.
فإذا حدثت خلوة بين رجل وامرأة = سيشتهي أحدهما الآخر.
فسيكولوجية الرجل والمرأة عند الخلوة = تحتم عليهما اشتهاء بعضهما بعضا.
لهذا منعه الشرع جملة وتفصيلاً.
قد تقول:
يحدث خلوات كل يوم بين الرجال والنساء ولا يحدث زنى في جميعها 🤷.
قلت: إن تحريم الخلوة ليس لأنه سيحدث بينهما زنا لا محالة، ولكن لأنهما أقرب لذلك، وإلا: فهناك موانع قد تمنعهما من ذلك.
لكنهما على كل حال سيخطر ببالهما الفاحشة لا محالة.
وليقظة السلف لذلك = كانوا لا يحبون أن يطرأ هذا الخاطر على قلوبهم.
فقال ميمون بن مهران:
لأن أؤتمن على بيت المال أحب إلي من أن أؤتمن على امرأة. أخرجه أبو نعيم في الحلية.
وقال سعيد بن جبير:
لأن أؤتمن على بيت من الدر أحب إلي من أن أؤتمن على امرأة حسناء. أخرجه أبن أبي حاتم الزهد
وقال ابن المسيب:
قد بلغت ثمانين سنة وما شيء أخوف عندي من النساء. أخرجه ابن سعد.
وقال عطاء بن أبي رباح:
لو ائتمنت على بيت مال، لكنت أمينا، ولا آمن نفسي على أمَة شوهاء. سير أعلام النبلاء
قلت: كذا كان السلف كلهم.
فهذا حسم شديد منهم للخلوة، تجنبا لورود خاطر الفاحشة.
وإنما يمنع حدوث الزنا مع الخلوة = 3 أمور بداخلها تفريعات.
1 - الدين:
- فإذا كان أحدهما أو كلاهما شديد الديانة = سيمنع الفكرة من رأسه.
- وأما إذا كان أحدهما أو كلاهما أقل ديانة = سيفكران كثيرا ويخططان، لكن ستمنعهما الديانة أخيرا.
- فإذا ما كان أحدهما أو كلاهما ضعيف الديانة = سيفكران، ويخططان، وسيسعيان لأخذ خطوة.
هنا يتدخل مانع آخر إذا لم يمنعهما الدين.
2- الدنيا:
- المانع الدنيوي الأول: "عدم معرفة كل منهما بالآخر".
فعدم معرفة أحدهما بالآخر = يخيفهما من الإقدام على الخطوة إذ لم تمنعهما الديانة.
فقد يرفض الآخر رفضا عنيفا، أو يزجره زجرا شديدا، أو يتطور الأمر بما لا يقدرا على احتوائه لاحقا.
وهذا ما يحطمه الاختلاط تحطيما، فالزمالة والصداقة والجيرة مع الاختلاط المتكرر والخلوة = يُشعر أحدهما أنه بمأمن من هذا الرد العنيف إذا لم يوافق الآخر.
لهذا لم يسمح الشرع بالاختلاط الدائم بين الجنسين - ولو لم يكن هناك خلوة - هذا لأن الاختلاط الدائم سيكسر حاجز الرهبة، فإذا تَسنَّت فرصة خلوة = لم يكن ما يخيف أحدهما من الآخر.
فالاختلاط بين الزملاء والزميلات في المدارس والمستشفيات والمؤسسات العامة والخاصة = حرام.
﴿ذَلِكُمْ أَطْهُرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾
دعك من مدعي النزاهة، أنه يمكن أن يكون اختلاط بين الزملاء دون تجاوزات = فهذا كذب.
محال أن يكون زمالة بين رجل وامرأة يعملان معا باختلاط دائم، دون تجاوز.
لهذا لا نعرف في زمن الصحابة والسلف أن مجموعة من الرجال والنساء عَمِلا معا في مكان واحد باستمرارية.
فهذا مما اتفقوا على مفسدته.
- المانع الثاني "الخوف"
سواء خوف الفضيحة أن يُمسكا متلبسين لعدم وجود أمان قوي، أو خوف أن يكشف أمرهما، أو خوف أحدهما من كلام الآخر فلا يكتم السر، أو أن أحدهما من عائلة مخيفة والآخر يخافها، أو الخوف من حدوث حمل فيتسع الأمر عليهما، أو يخاف أحدهما أن يطلب الآخر استمرار ذلك وتكراره وهو يريدها مرة عابرة أو للحاجة، فيخشى أحدهما أو كلاهما من الآخر أن يكون ديدنًا له، أو لأحدهما سمعة جيدة يخاف عليها.
فهذا خوف دنيوي، بغض النظر عن نوع الخوف، عكس الخوف الأول الديني.
المهم أن هناك خوف ما عند أحدهما أو كليهما يمنعه من قبول الفاحشة.
- فإن ذهبت كل هذه المخاوف إما لعدم وجود بعضها ابتداء أو بالقفز عليها وتجاوزها لحضور الشهوة وشدتها.
= هنا يدخل العامل النفسي كمانع محتمل للزنا.
3- العامل النفسي حاسم في ذلك، فقد تمنع العوامل النفسية وقوع الفاحشة، فمنها:
- الضعف الشديد لدى أحدهما أو كليهما.
- ازدراء الآخر واحتقاره، نعم قد يشتهي أحدهما الآخر، فلا يُمَكِّن الأعلى منهما الأدنى = لشعوره أن الآخر لا يستحق ذلك.
- شعور أحدهما أو كلاهما بأنه لن يكون شهيا لدى الآخر، فيخجل من المحاولة خشية أن يُفضح عنده، كأن يكون جسد المرأة سيئا، أو به تشوهات أو ترهلات زائدة، أو أن الرجل يمتلك جسدا سيئا، والفتاة في غاية الرشاقة والعنفوان، فيخاف أن تسخر منه لاحقا، أو لا يقدر عليها كما ينبغي
فائدة عرَضية: كثير من المتحرشين المتهورين الذكور يخافون من المرأة لو كانت جريئة وناقشته لتأخذ معه مستوى أعلى = لعلمه بضعف نفسه.
فلا يغرنك كلام المتحرشين عن أنفسهم، فلو كانوا رجالا كما ينبغي = ما أقدموا على التحرش.
فالتحرش يأتي من هوان نفسه عليه. اه.
- فإذا كان أحدهما يشعر بالكمال الجسدي والنفسي ويثق في نفسه = كان مخيفا للآخر أكثر، حتى ولو كان أشهى إليه.
أما إذا كانا يشعران بالكمال الجسدي والنفسي = فاختلاؤهما، أو حتى اختلاطهما معا بشكل دائم من الخطورة بمكان.
فتصدع الحاجز النفسي للكمال الجسدي لديهما = يزيد من رغبتهما، بل ويقلل مخاوفهما الدنيوية فيقفزان عليها كما ذكرنا.
لهذا: على الكاملين جسديا = أن يزدادا حَيطة لأنفسهما بالابتعاد عن الاختلاط والخلوة أكثر من الآخرين، لأن الدوافع لديهما أقوى، وتوقع رغبة الآخر أعلى، ورفضه أضعف.
أخي/أختي: اختلاط متكرر = لأ. خلوة = لأ.
فالزنا أو الكلام الجنسي أو التجاوزات بين مَن يختلطون = أكثر من غيرهم.
والقصص في هذا لا تخفى عليكم، فلا داعي لاستحضار بعض أشهرها.
محال أن يكون بين الرجل والمرأة صداقة بريئة أو محبة بريئة.
والله أعلم
اعتذرُ عن بعض ما قيل من ألفاظ، لكن استفحال الأمر يجعلني لا أستطيع السكوت.
#قطوف_حول_البيوت

