إذا أحبَّت المرأةُ رجلاً اشتهته.
تكلمتُ سابقًا عن أن المرأةَ لا تبسطُ نفسَها تحتَ رجلٍ إلا عندَ الأُنسِ به، وسببُ ذلك أنَّ النفسَ تأبى أن تأخذَ من أيِّ أحدٍ أيَّ شيءٍ في المطلقِ لِما يمثلُ لها من تحتيَّةٍ، فكيفَ بهذا الأمرِ وهو أشدُّ لحظاتِ خضوعِ المرأةِ وتحتيَّتِها وأخذها؟!
لذا، إذا أحبَّت المرأةُ رجلاً بصدقٍ، فإنَّها تستسلمُ خاضعةً له في الحال، ولمَّا كان بالجنسِ أدلُّ دلالاتِ الخضوعِ = فإنَّه أولُ ما يطرأُ ببالِها إذا أحبَّتْه؛ لسببين:
1- تعطُّشِها هي لهذا الخضوعِ، والاستمتاعِ بالتحتيَّة.
2- تعطُّشِها لإمتاعِه بخضوعِها واستسلامِها الكاملِ له -حتى ولو لم يكن حبيبُها هذا يعرفُها؛ لأنَّه حبٌّ من طرف واحد-.
- هل هناك استثناءٌ لهذا الأصلِ؟
= نعم، النساءُ الأبكارُ الغافلاتُ ممَّن لا يعلمنَ الجنسَ ولا يعرفنَه؛ فإنَّ الغافلةَ قد تحبُّ رجلاً بصدقٍ، وتخضعُ له، لكنَّها لا تشتهيه لعدمِ تصوُّرِها الشهوةَ.
لكنَّها إذا علمتِ الجنسَ لاحقًا = ستشتهيه في الحال؛ لأنَّ الجنسَ ممَّا تتشوَّفُ إليه النفوسُ، فكيفَ بالمرأةِ وهي غيرُ مهيَّأةٍ للخضوعِ لأيِّ رجلٍ ولا الاستسلامِ لأيِّ أحدٍ؟!
أقصدُ: ستكونُ الفرصةَ التي لطالما انتظرتْها.
- لكن هناك امرأةٌ تحب الرجلَ ولا تشتهيه، مع أنَّها تحبُّه جدًّا، بل تريدُ الزواجَ منه!
= لا تحبُّه، وإنَّما هي تحبُّ المصلحةَ التي ستأتي من ورائِه؛ فهي مثلاً عزباءُ، أو مطلَّقة، أو حتى متزوجةٌ وتعيشُ في غَمٍّ، وهذا الرجلُ سينقذُها ممَّا هي فيه، وهو أملُها؛ لذا هي تحبُّ أن تتزوجَه وتعيشَ معه لأنَّه رجلٌ مناسبٌ لها، لا أنَّها تحبُّه حقًّا؛ لذا لو رفضَ زواجَها، أو ظهرَ مَن هو أفضلُ منه وتقدَّمَ إليها = فإنَّها ستنسى هذا الذي كانت تتوهَّمُ حبَّه!
أقصد: قد تحب المرأةُ مصلحةً ستأتي من الرجلِ فتتوهَّمُ أنَّها تحبُّه؛ لذا لا يتبادرُ إليها الخضوعُ الجنسيُّ، وإنَّما تُظهِرُ له الخضوعَ لتجذبَه إليها لتحصلَ على المصلحةِ المنشودةِ، لا أنَّها مُحِبَّةٌ وخاضعةٌ بحق وحقيقي.
وهذا يفسِّرُ لكَ لماذا يذهبُ -بعدَ الزواج- خضوعُ كثير من البناتِ اللاتي كُنَّ يتغنَّينَ بالحبِّ للعشيقِ أو الخاطبِ؛ هذا لأنَّها حصلتْ على المصلحةِ المنشودةِ.
أقصد: هي كانت خاضعةً للمصلحةِ، لا للرجلِ!
بل قد تجاري الخاطبَ أو العاشقَ جنسيًّا -إذا صرَّحَ باشتهائِه لها-، لا لأنَّها خاضعةٌ له فعلاً.
لمَّا شُغِفَتْ زليخةُ = خضعتْ جنسيًّا في الحالِ مع فداحةِ الخسارةِ المتوقعة -سواءٌ نالتْ ما تريدُ أم لا-، بل قالت وفعلتْ كلَّ خضوعٍ، وقولُها: «هَيْتَ لَكَ» -بعدَ تزيُّنِها- = كسرٌ عنيفٌ لها، وخضوعٌ مفرط لامرأةٍ مع فتاها؛ إذ كان اللائقُ -حتى لو كانت تشتهيه لأنَّها مستثارةٌ فحسبُ- أن تأخذَ منه ما تريدُ بأنَفَةٍ وفوقيَّةٍ، لكنَّ زليخةَ كانت عاشقةً لا مستثارةً.
أقصد: إرادتُها الفاحشةَ كانت ناتجةً عن حب؛ لذا قرَّرتِ الخضوعَ ولم تلتفتْ لمكانتِها التي يجبُ الحفاظُ عليها -ولو زنتْ-.
لذا قرر النسوةُ أنه: «شَغَفَهَا حُبًّا»؛ لأنَّ خسارةً عظيمةً ومجازفةً كبيرةً كهذه لا تكونُ إلا لمَن شُغِفَتْ حبًّا، لا لمستثارةٍ لحظيًّا.
- هناك امرأةٌ تشتهي الرجلَ جنسيًّا، ولكن لا تحبُّه بعشقٍ وهيام؛ فتريدُه مرات محدودة فقط.
= قد بيَّنتُ قبلُ أنَّ النساءَ في الانبساط تحت رجل قسمانِ:
أ- الفطرة: أنَّها لا تبسطُ نفسَها تحتَ رجلٍ إلا بعدَ الأُنسِ به.
ب- المتسوِّلة: والتي تأخذُ من أيِّ أحدٍ، وهؤلاءِ قِلة لسنَ كثرةً، وسبقَ تشبيهُهُنَّ بالإماءِ.
ودوافعُ المرأةِ المتسوِّلةِ متغايرةٌ كأصلِ انطلاقٍ للتسوُّلِ؛ فإمَّا هي خسيسةُ النفسِ أصلاً لا تنزعجُ من اعتلاءِ أيِّ أحدٍ، المهم: أن تفرغَ شهوتَها.
وإما أنها عظيمة الشهوة جدَّا فينفسخ عزمها خاصة مع ضعف الديانة وتشوش الفطرة.
- هل يمكنُ لامرأة غيرِ غافلةٍ أن تحبَّ رجلاً، ولكن لا تشتهيه؟
= كأصلٍ أو حتى استثناء: محال، وإنما هناك موانعُ طارئةٌ للمرأةِ من الاشتهاءِ لرجلٍ تحبُّه -لاحقةٌ للشهوةِ، لا سابقةٌ لها-:
ا- المانع الديني:
قد تحبُّ امرأةٌ رجلاً بصدقٍ، ولكن لا تشتهيه -باستطرادِ- لديانتِها، وبقدرِ ديانتِها يكونُ قدرُ انصرافِ هذا عنها، حتى إنَّها قد تعظُمُ ديانتُها جدًّا فتصرفُ حبَّه عن بالِها جملةً؛ لأنَّه يشغلُها عن الله.
2- المانع الدنيوي:
قد تحبُّ امرأةٌ رجلاً بصدقٍ، لكنَّه بعيدُ المنالِ، ولا يمكنُ أن يكونَ لها في يومٍ من الأيامِ، فتصرفُ هذا عن بالِها؛ لأنَّها عاقلةٌ، وتعلمُ أنَّه ليس خلفَ هذا التمنِّي والاشتهاءِ إلا الهمُّ والغمُّ والاستثارةُ التي سيعقبُها الألم.
وهذا شائعٌ في النساءِ اللاتي يحببنَ كاتبًا على السوشيال أو مشهورًا ما؛ فإنها وإن أحبته واشتهتْه، إلا أنها تصرف هذا عن نفسِها وتقاومه حتى يذهبَ عنها.
3- المانع النفسي:
قد تصدقُ المرأةُ في حبِّ رجل، لكنَّها تعلمُ أنَّها دونَه، وأنَّ جسدَها ليس ما يتمناه، وأنَّ وجهَها أو جسدَها ممَّا يكسرُها أمامَه؛ فلكي تريحَ نفسَها من هذا العناءِ لا تستطردُ في اشتهائِه، وتحاولُ أن تكتفيَ بالاستمتاعِ بحبِّه ولا تفكِّرَ في اشتهائِه حتى لا تتنغَّصَ بالتفكيرِ في أنَّه لا يرضى بمثلِها، بل لو أنَّ فرصة حقيقية واتتْها للجنسِ معه؛ ستخافُ -نفسيًّا- أن تستسلمَ له، وستؤثرُ أن تحافظَ على ما بينَهما.
ملحوظةٌ: أحيانًا كثرةُ الصراعِ النفسي للفتاةِ بأنَّها غيرُ جميلةٍ وغيرُ جذَّابةٍ، وأنَّ حبيبَها الذي تتمناه لا يمكنُ أن يشتهيَها، بل ولا يوجدُ رجلٌ سيشتهيها لأنَّها غيرُ جميلةٍ ولا جذَّابةٍ ولا.. ولا.. = يدمِّرُ شهوتَها واستثارتَها في المطلقِ من كثرةِ احتقارِها لنفسِها وجلدِ ذاتِها.
فعلى المرأةِ غيرِ الوسيمةِ، أو مَن لا تتمتَّعُ بجسدٍ جذَّابٍ، ألَّا تفكِّرَ في هذا الأمرِ جملةً وتفصيلاً، بل تغضَّ بصرَها عن الجميلاتِ، وتتوقَّفَ عن المقارنة.
من الطرائفِ أنَّ بعضَ النساءِ غيرِ الجميلاتِ إذا تزوَّجنَ دونَ أن يتمتَّعنَ بشهوةٍ عاليةٍ، ثم تحسَّنَّ نفسيًّا وهدأنَ، ثم تحسَّنَّ جسديًّا = فإن الواحدةَ منهنَّ تشتعلُ مرَّةً أخرى مع زوجِها!
وهنا تنبيه حاسمٌ للرجالِ الذين لا تتمتَّعُ نساؤُهم بجسدٍ جذَّابٍ ولا وجهٍ وسيمٍ: ألَّا يُشعِروهنَّ بهذا؛ فإنَّ ذمَّ الرجلِ لزوجتِه، ومقارنتَه بينَها وبينَ نساءٍ أخرياتٍ = يحطِّمُ الاشتهاءَ لديها؛ لذا من الحمقِ أن تُشعِرَها أنَّها غيرُ جميلةٍ ولا جذَّابةٍ، ثم تريدَها مشتعلةً!
أقصدُ: لو أردتها = فامدحْ أنوثتَها وجمالَها.
خاصَّةً أنَّ المرأةَ غيرَ الجميلةِ -إذا لم تثقْ بنفسِها- إذا تزيَّنتْ لزوجِها = «بتلوِّش، وتمعجن»!
لذا نحثُّ الزوجَ أن يمدحَ هذه «المعجنةَ» حتى تثقَ بنفسها، وستتحسَّنُ لاحقًا.
والله أعلم.

