سلسلةقطوف منوعة -قسم المقدمة-

- هل الرجال يحتاجون إلى دعم نفسي؟ وما الفرق بينهم وبين النساء في اختفاء الدعم؟

امممم هل الرجال يحتاجون إلى دعم نفسي؟

منتشرٌ النداء بدعم النساء، سواء من قِبل النساء بين بعضهن بعضا أو حتى دعم الرجال لهن.

فترى الحميع يدعو إلى الرفق بالمرأة في جميع أوقاتها، وجميع مراحل عمرها.

أقصد: الدعم النفسي للمرأة تصرف محمود نؤيده.

لكن المغفول عنه: هو "دعم الرجل".

ترى نداء كثيرة تحث الرجال على الرفق بالنساء (وهي نداءات طيبة) ولكن لا ترى نداءات بدعم النساء للرجال بالزخم نفسه، ولا حتى بدعم الرجال لبعضهم البعض.

وكأن هذا الرجل جماد يتحرك، مطلوب منه أن يعطي ويمنح لمن حوله حنانا ومشاعرا ولطفا ورفقا دون أن يُمنح من ذلك شيء!

أقول: خفاء الخطاب الداعم للرجل = تصرف باطل.

فالنساء يَشكين من عدم الحنان والرعاية الكافية بالرغم من الإسراف في المناداة بالدعم لهن!

والكل غافل عن أن المرأة لن تحصل على الحنان المأمول إلا بعد أن يحصل الرجل على هذا اللطف سواء بسواء.

أقصد: لن يقدر الرجل على البذل وهو متفسخ منهار داخليا.

بالرجل طفل داخله، يحتاج لكثير من الثناء والمدح والطبطبة في حياته عامة، وفي أوقات ضعفه خاصة.

أقول: كان النبي ﷺ شديد الرفق بالنساء -زوجات وبنات- في أوقات ضعفهن (سواء النفسية أو العضوية) ولكن هل كان لطيفا مع النساء فقط في أوقات ضعفهن؟

أقصد: هل جاءت السُّنة باللطف بالنساء فقط عند ازعاجهن؟

= الحقيقة أن السنة طافحة بالدعم لأقوى الرجال على الإطلاق، لا أقول أن النبي ﷺ كان يدعم ضعفاء الرجال، بل أقوياءهم، وقد كان الصحابة يدركون هذا الدعم وينتظرونه.

أقصد: انظر لما اختلف أبو بكر مع عمر في أمر -قد تراه في نظرك هينا- لكن أبا بكر ذهبَ يشكو إلى النبي ﷺ من عمر، حتى غضب النبي ﷺ وقال: هل أنتم تاركون لي صاحبي؟! أخرجه البخاري.

قلت: أبو بكر كان ضعيفا حينها يشعر بألم من تصرف عمر، حتى أن النبي ﷺ لاحظ هذا قبل أن يتكلم، فلم يهون النبيُّ ﷺ من جرحه، أو يتهمه بتكبير المواضيع وأن الأمر هينا لا يستحق، بل تدخل ﷺ داعما بأقوى ما يمكن.

------

أقول: سبق تأصيل دعم النبي ﷺ لعائشة في مرضها، وقولها: "يريبني في وجعي أني لا أجد اللطف الذي كنت أرى حين اشتكي" أخرجه البخاري.

- ولكن هل كان النبي ﷺ يدعم نساءه في مرضهن فقط؟

= لا أبدًا، بل كان يدعم أصحابه المرضى، انظر لدعمه سعد بن معاذ وأمره أن يكون بجواره؛ ليتابع حالته الصحية. أخرجه البخاري في الأدب المفرد.

وهل مثل سعد بن معاذ يحتاج إلى دعم على مدار اليوم؟

= نعم.

هل سعد بن معاذ الذي قال: يا رب إن كانت وضعت الحرب أوزاراها فافجر جرحي لأموت شهيدا فانفجر جرحه ومات. أخرجه ابن سعد.

- يحتاج إلى دعم؟!

= نعم يحتاج إلى دعم.

وهذا من أسرار الحث على عيادة المريض، فالمريض -رجل أو امرأة- = يحتاج إلى تدخل بالدعم والتخفيف وشد الأزر.

بل إن الشرع حث الزائر حثا شديدا ووعده أنه يمشي في خوض الرحمة، وتشيعه الملائكة عند زيارة المريض، وإنما جاء كل هذا الفضل العظيم للزائر لأنه ذهبَ ليخفف عن أخيه ويشد عضده.

بل تدخل الشرع بنفسه للتخفيف عنه ومواساته: فبين أن مَن يمرض فله أجر، وأن مَن مات في إصابة (حُمى، بَطَنه، وجع الجنب، الهدم والكوارث، نفاث المرأة، الغرق، دفاع عن عرضه أو ماله) = مات شهيدا.

وكل هذا تدخل قوي من الشرع، فعندما يمرض الرجل -أو المرأة- أو يصاب بكارثة زلزال وينهار شيء فوقه، أو يتعرض لغرق، أو يوضع في ورطة عصيبة يدافع فيها عن عرضه أو ماله = تدخل الشرع بأحسن ما يمكن لشد أزره، والأخذ بيده، والتخفيف عنه، وأنه إذا عاش فإنه سيؤجر، وإذا مات فإلى جنات إن شاء الله، وكأني بالشرع يشد على يده ليقاتل حتى آخر نَفس.

أقول: كان الصحابي القوي النبيل إذا حدثَ بينه وبين زوجته أمرا يزعجه ذهبَ ليرتمي بين يدي النبي ﷺ ليخفف عنه، وما قصة أبي طلحة مع أم سليم منكم ببعيدة. والحديث في الصحيحين.

- هل كان الصحابة يدركون تلك المعاني بين بعضهم البعض؟!

= بلى، كانوا يدركونها ويثمنونها.

فكما أن عائشة لم تنسَ بكاء المرأة التي زارتها مواسية إياها بعد الإفك -والأثر في الصحيحين-، كذلك لم ينس كعب بن مالك دعم طلحة بن عبيد الله إذ هرول إليه يصافحه بعد التوبة عليه. والأثر في الصحيحين كذلك.

- هل أنتَ متخيل أن صحابيا جليلا ككعب بن مالك اهتز اهتزازا عنيفا لهرولة طلحة إليه ليصافحه؟ ولم ينسها لطلحة!

أو انظر إلى عمر لما دخل على النبي ﷺ وأبي بكر فوجدهما يبكيان، ماذا فعل؟ = قال: أخبراني ما بكما فإن كان هناك بكاء بكيت، وإلا تباكيت. أخرجه مسلم

يقصد عمر: سأبكي لأنكما تبكيان حتى ولو لم يكن الأمر في ذاتا مبكيا لي!

أو انظر إلى عمر لما انزعج النبي ﷺ من نسائه واعتزل في مشربة له؛ فتدخل عمر ليخفف ما به ويضحكه ويواسيه. والحديث في البخاري.

أقصد: لم يكن الصحابة يستنزفون النبي ﷺ ثم عند جراحه وآلامه أو انزعاجه يتركونه ويذهبون!

بل كانوا يتدخلون للتلطف به حتى من ورائه، وقصة عمر مع حفصة وأنه أمرها إن احتاجت شيئا فلتخبره ولا تزعج النبي ﷺ مشهورة سبق شرحها مطولا. أخرجها البخاري

أريد أن أقول: كان مجتمع النبوة مدركا أهمية دعم الرجل لأخيه في ضعفه، ودعم المرأة لأختها في ضعفها، ودعم الرجل للمرأة في ضعفها، ولكن هل غفل المجتمع عن دعم المرأة للرجل؟

= لاها الله أبدًا.

بل إنما أنشأت هذا المنشور خصيصا له، وكل ما سبق كان مقدمة للوصول إلى هنا.

أقصد: لست هنا لأنادي بدعم الرجل أخاه كما كان النبي ﷺ يفعل مع أصحابه، وكما فعل الصحابة بعضهم مع بعض فقط.

بل لأنادي بالدعم النسائي للرجل.

هذا لأن الدعم النسائي له مذاق خاص لا يُفَوَّت، ولا ينسى، بل هو من الأهمية بمكان، بل لو قلت أنه أهم من الدعم الرجالي ما كنت مسرفا.

انظر إلى النبي ﷺ وهو مَن هو ثباتا ورباطة جأش وقوة وشجاعة وإقداما عندما نزل عليه الوحي وكان يرتجف، أين ذهب؟

= ذهب إلى زوجته!

ربااااه!

أين أعمامه سادة مكة؟! أين عمه أبا طالب كبير القوم والذي كان بينه وبين النبي ﷺ ثقة عظيمة، أليس من اللائق أن يذهب إلى عمه هذا؟ أو لصاحبه أبي بكر؟ أو حتى لأبناء عمه؟

لا لا ذهب إلى زوجته!

ذهب ﷺ إلى زوجته فلم تخذله تلك النبيلة، فخديجة احتوته كأحسن ما يمكن، فضمته وهدَّأته، وأثنت عليه، وطيبت بخاطره، وأدفئته؛ فشدت من أزره وثبتته. والحديث في الصحيحين.

- هل كان هذا موقف عابر وانتهي؟

أقصد: هل كان هذا التصرف لمرة واحدة في بداية الإسلام ثم أعرض النبي ﷺ عن النساء عند تعبه؟

= هههههههه أنتَ إذن غير متأمل، فعندما بدأ الوحي ذهب النبي ﷺ إلى حضن خديجة، ولكنه مات وهو في حضن عائشة وانقطع الوحي!

انظر كيف بدأ الوحي وكيف انتهي!

لما اشتد مرض النبي ﷺ آخر أيامه: قد كان له 9 نسوة، كلهن أقوى من عائشة جسديا وخبرات في الحياة لأنهن أكبر سِنا، ليس هذا فحسب، بل هناك ابنة له قوية نبيلة محبة له وزوجها سَيد كبير، فلماذا لم يُمَرَّض عند أي امرأة أخرى من زوجاته؟ أو يمرض عند ابنته وابن عمه؟ ولماذا لم يُمَرض عند أبي بكر مثلا؟

أقصد: كل هؤلاء قادرون على التدخل بالإنقاذ أفضل من عائشة.

فأين قوة عائشة من أبيها؟

فأبو بكر أقوى جأشا وحسن تصرف منها بما لا يقارن أصلاً.

أريد أن أقول: كانت الخيارات كثيرة أمام النبي ﷺ ليُمَرَّض غير خيار عائشة، ولكنه قرر أن يختار عائشة مستئذنا نساءه عليهن السلام!

ولتدرك لماذا اختار التمرض في بيت عائشة: انظر قبل أن يموت دخل أخوها وهو يسوك فاه فنظر النبي ﷺ إليه، ففهمت الفطنة اللطيفة أنه يريد أن يستاك، فأخذت السواك وهيأته وطيبته ثم أسندته ﷺ فكان مسندا ظهره على صدرها ثم مات ﷺ بين صدرها ونحرها.

حضرتك متخيل التعامل؟

أريد أن أقول: عائشة لم تتركه نائما على السرير وحده وتتابعه بالعلاج من حين لآخر مع الكمادات -فهذا يحسنه كل أحد- ولكنها أخذته في حضنها حتى آخر لحظة من حياته ﷺ متيقظةً لجميع ما يحبه ويواسيه ويخفف ما به.

لو تخيلت كيف مات ﷺ = ستدرك لماذا اختار عائشة.

فلتحصل المرأة على الحنان المأمول = يجب أن تبذل اللطف المطلوب.

-هل كان هذا خاصا بالبيت النبوي لأن نساءه في ذروة الفهم؟

= انظر لما بكى ابن رواحة -جراء خشوعه من آية- فبكت زوجته وبكى أهل البيت!

فقال لهن: ما يبكيكن؟ قلن: رأيناك بكيت فبكينا. أخرجه ابن المبارك.

وجَدَت الزوجة زوجها يبكي = فقررت البكاء لبكائه دون أن تعلم السبب! وكأن الراسخ في عقلها: لا ينبغي أن يبكي القائد دون مواساة وتكاتف من الرعية.

بل أقول: لو تدبرت ضغط الشرع على المرأة لمواساة الرجل إذا انزعج منها فنام عضبانَ فتلعنها الملائكة أو أمرها بسرعة تلبية نداءه عند شهوته ولو كانت على تنور = تدرك أن الشرع يضغط على المرأة لمسانده الرجل حين انزعاجه والتنازل له.

----------------

- السؤال: إذا كان الرجل بهذا الضعف، والجميع -رجال أو نساء- يحتاج إلى دعم، فمن أين جاءت قوة الرجل عن المرأة إذن؟!

= الفارق بين الرجل والمرأة عدة أمور، أبرزها:

1- الرجل أقل في عدد الانهيارات.

أقصد: لا يحتاج إلى دعم إلا في أوقات ضعفه وانزعاجه، وأوقات ضعفه قليلة مقارنة بالمرأة.

2- أبطأ في الانهيار .

أقصد: الرجل يتحمل ويصمد كثيرا ولا ينفسخ عزمه بالسرعة التي ينفسخ فيها عزم المرأة -إذا لم يجد الدعم-

لذا وضع الله في يده مقاليد التصرفات عامة، وفي الأزمات خاصة، فالرجل قادر على الصمود كثيرا في الأزمات والصراعات والأمراض والضعف والشدائد.

3- الرجل يقوم بنفسه إذا انقطعت السبل.

أقصد: إذا وجدَ الرجل دعما = أخذ به.

فإن لم يجد؟ = قام بنفسه.

انظر إلى أبي بكر الذي انفسخ عزمه من خلاف مع عمر حتى ذهب يشكو إلى النبي ﷺ، ثم انظر إلى عزمه عند وفاة النبي ﷺ ؟!

وكأن له وجهان وشخصيتان، وجه حين يُظن أن دعما قويا من ورائه، ووجه حين يعلم أن ليس هناك مَن يدعم.

فحين يختفي الدعم = فلا مفر إذن.

فأبو بكر كان من أشجع وأقوى ما أنت متخيل عامة، وبعد وفاته ﷺ خاصة، وموقفه في حرب الردة مشهور في الصحيحين، حتى أن عمر تفاجأ من شدة أبي بكر!

نعم وجه أبي بكر وقوته تغيرت بعدما ذهب الدعم، فوجب أن يتدخل هو بالإنقاذ.

أقصد: كان النبي ﷺ دائم التدخل بالإنقاذ حاميا أصحابه، فلما مات ﷺ قام صاحبه مكانه.

- فماذا حدثَ؟

= كان الصحابة يتكئون على أبي بكر بعد النبي ﷺ!

أقصد: بعدما كان أبو بكر يذهب ليشكو، صار يشكى إليه!

حتى عمر تغيرت شخصيته كذلك بعد موت أبي بكر وصرح هو نفسه بهذا.

حتى عثمان، حتى علي بن أبي طالب!

كان ابن أبي طالب في حياة النبي ﷺ يذهب إليه، ولكن لما تولى الخلافة لم يكن هناك مهرب من الإقدام.

وهذا كان في جميع الصحابة، انظر إليهم في الغزوات مع النبي ﷺ كانوا يحتمون به إذا حمي الوطيس! والحديث في الصحيحين.

- طيب وماذا كانوا يفعلون في الغزوات والسرايا التي كانت من دونه أو بعد موته ﷺ؟

= كانوا أسودا ونمورا ووحوشا ضارية كاسرة مخيفة مرعبة في الحروب! -غزوة مؤتة أنموذجا-

أخي: إن لم تجد دعما أو كنتَ قائدا: فلا مفر من الإقدام إذن.

والله أعلم.